تخطى إلى المحتوى

المجمع الإداري المقترح في برجا : هل هذا هو الموقع المناسب حقاً؟ سبعة أسئلة قبل حسم الخيار

هل تحتاج برجا إلى مجمع إداري جديد؟

لا شك أن برجا بحاجة إلى تطوير مرافقها الإدارية والخدماتية بما يواكب حجمها السكاني ودورها المتنامي في المنطقة. فبعض الإدارات الرسمية العاملة فيها تشغل اليوم مباني أو مكاتب ضيقة لا تلبي متطلبات العمل الحديث، كما أن تشتت الخدمات بين أكثر من موقع يفرض على المواطنين أعباء إضافية عند إنجاز معاملاتهم.

ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة إنشاء مجمع إداري يضم عدداً من الإدارات والمؤسسات العامة في مكان واحد فكرة مشروعة ومطلوبة من حيث المبدأ، لأنها يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات وتسهيل وصول المواطنين إليها وتأمين ظروف عمل أفضل للإدارات المعنية.

غير أن أهمية المشروع تفرض في المقابل التأكد من أن القرارات المرتبطة به قد اتخذت وفق أسس سليمة ومدروسة، ولا سيما في ما يتعلق باختيار موقعه. فالمسألة المطروحة اليوم ليست الحاجة إلى المجمع الإداري، بل ما إذا كان الموقع المقترح هو بالفعل الموقع الأنسب والأكثر انسجاماً مع المصلحة العامة ومقتضيات التخطيط العمراني السليم.

هل جرى تتحديد معايير لاختيار الموقع ؟

عندما يتعلق الأمر بمشروع عام استراتيجي يفترض أن يخدم البلدة لعقود طويلة، فإن السؤال الأول لا يكون: أين نبني؟ بل: ما هي المواصفات التي يجب أن تتوافر في الموقع المطلوب؟

لذلك كان يفترض أولاً تحديد معايير واضحة للاختيار، مثل سهولة الوصول، والموقع المركزي، وإمكان التوسع مستقبلاً، والكلفة، والاعتبارات البيئية، ثم مقارنة العقارات والمواقع المتاحة على أساس هذه المعايير. أما اختيار موقع محدد منذ البداية، من دون عرض البدائل وأسباب استبعادها، فيجعل من الصعب التحقق من أن الخيار المعتمد هو بالفعل الأفضل والأكثر ملاءمة للمصلحة العامة.

أين يقع العقار المقترح وما هي خصائصه؟

يقع المشروع المقترح على العقار رقم 1245 من منطقة برجا العقارية، وهو عقار موصوف في السجلات العقارية بأنه مشاع قديم مخصص لمرعى مواشي أهالي البلدة. وتبلغ مساحته عشرات آلاف الأمتار المربعة، ما يجعله من أكبر العقارات المشاعية المتبقية في برجا.

ويقع العقار عند الطرف الجنوبي الغربي للبلدة وعلى حدودها مع بلدة سبيلين، بعيداً عن مركز التجمع العمراني الرئيسي. كما يجاور من جهته المقابلة منطقة تستثمر منذ سنوات في أعمال الكسارات وإنتاج مواد البناء، بما يرافق ذلك من حركة شاحنات وغبار وتأثيرات بيئية معروفة.

ولا تقتصر أهمية الموقع على كونه مشاعاً واسع المساحة، بل تتصل أيضاً بطبيعته الجغرافية، إذ يتميز بانحدارات ملحوظة وطابع طبيعي مفتوح ظل لعقود بعيداً عن التوسع العمراني الكثيف.

هل جرى استعراض البدائل المتاحة؟

إذا كانت الحاجة إلى مجمع إداري جديد أمراً مسلماً به، فإن السؤال الطبيعي التالي هو: لماذا اختير هذا الموقع تحديداً؟

فالبلديات لا تقتصر أملاكها على عقار واحد، بل تملك في العادة مجموعة من العقارات والمشاعات التي تختلف من حيث الموقع والمساحة وإمكانية الاستثمار. ومن هنا كان يفترض أن تسبق أي خطوة عملية جردٌ للأملاك البلدية والمشاعات القابلة للاستعمال، يليها تقييم للمواقع المرشحة وفق معايير واضحة ومعلنة.

ولم يُعرف حتى الآن ما إذا كانت البلدية قد أعدّت دراسة تقارن بين عدة مواقع محتملة، أو أنها عرضت الأسباب التي دفعتها إلى تفضيل العقار المقترح على غيره. كما لم تُنشر أي معايير أو نتائج تسمح للمواطنين أو لأصحاب الاختصاص بفهم الأسس التي استند إليها هذا الخيار.

والواقع أن صلاحية أي موقع لا يمكن تقييمها بصورة مجردة، بل من خلال مقارنته ببدائل أخرى قد تكون أكثر مركزية، أو أكثر ملاءمة من الناحية البيئية، أو أقل كلفة من حيث التجهيز والاستثمار.

هل يلائم العقار المقترح وظيفة المجمع الإداري؟

بصرف النظر عن الجوانب الأخرى المرتبطة بالمشروع، يفرض العقار رقم 1245 مجموعة من التحديات العملية المرتبطة بطبيعته الجغرافية وموقعه، وهي عناصر يفترض أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم صلاحيته لاستضافة مجمع إداري يفترض أن يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من المواطنين والمراجعين والموظفين.

فالعقار يقع عند الطرف الجنوبي الغربي للبلدة، بعيداً نسبياً عن مركز الثقل السكاني والعمراني، الأمر الذي يحد من سهولة الوصول إليه بالنسبة لشريحة واسعة من السكان مقارنة بمواقع أخرى أكثر مركزية.

كما يتميز الموقع بانحدارات طبيعية واضحة، ما يعني أن إقامة مبنى إداري كبير مع ما يحتاجه من ساحات وممرات وخدمات وبنية تحتية سوف تتطلب أعمال تسوية وردم وجدران دعم بكلفة مرتفعة نسبياً مقارنة بمواقع أكثر استواءً.

ويضاف إلى ذلك أن شكل العقار نفسه لا يساعد كثيراً على استيعاب مشروع من هذا النوع. فحدوده غير منتظمة، ويتخذ في أجزاء واسعة منه شكل أشرطة وممرات ضيقة نسبياً، الأمر الذي يقلل من مرونة توزيع الأبنية والمرافق والخدمات المساندة داخل الموقع.

وتبرز بصورة خاصة مسألة مواقف السيارات، وهي من العناصر الأساسية في أي مجمع إداري حديث. فالمجمع المقترح يفترض أن يستقبل موظفين ومراجعين من مختلف أنحاء البلدة والمنطقة، ما يستدعي تأمين عدد كاف من المواقف ضمن العقار نفسه. أما إذا تعذر ذلك بسبب طبيعة الموقع وشكله، فقد يؤدي الأمر إلى انتقال المشكلة إلى الطريق العام والمحيط المجاور بدلاً من حلها.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل يوفر العقار رقم 1245 أفضل الظروف الوظيفية واللوجستية لمجمع إداري يفترض أن يخدم البلدة لعقود طويلة، أم أن هناك مواقع أخرى أكثر ملاءمة من حيث الشكل والطبوغرافيا وسهولة الوصول واستيعاب حركة السيارات والمراجعين؟

هل تكون الحماية البيئية أفضل استثمار لهذا المشاع؟

إذا كان العقار رقم 1245 يشكل واحداً من أكبر المشاعات المتبقية في برجا، فإن السؤال لا يقتصر على ما يمكن بناؤه فوقه، بل يمتد إلى ما ينبغي الحفاظ عليه فيه.

فالمنطقة تقع بمواجهة نطاق يعاني أصلاً من آثار بيئية ناتجة عن الكسارات وأعمال إنتاج مواد البناء، الأمر الذي يمنحها قيمة إضافية بوصفها مساحة مفتوحة يمكن أن تؤدي دوراً بيئياً مهماً للبلدة. كما أن طبيعتها المنحدرة وطابعها غير العمراني يجعلانها أكثر ملاءمة للاستعمالات البيئية والطبيعية منها للتوسع الإنشائي.

ومن هذا المنطلق، قد يكون من المشروع التفكير في تشجير هذه المساحات وتحويلها تدريجياً إلى غابة بلدية أو متنزه طبيعي عام يشكل رئة خضراء للبلدة وحاجزاً بيئياً يخفف من آثار التلوث والغبار القادم من المناطق المجاورة.

ولا يعني طرح هذا الخيار استبعاد أي استعمال آخر بصورة مسبقة، لكنه يفرض أن يكون ضمن البدائل التي تدرس وتقارن قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن مستقبل هذا العقار.

هل آن الأوان لمراجعة خيار تخطيطي عمره ربع قرن؟

لعل النقاش الدائر اليوم حول العقار رقم 1245 يفتح الباب أمام سؤال أوسع من مجرد اختيار موقع لمجمع إداري، وهو السؤال المتعلق بمستقبل هذه المنطقة نفسها.

فمن المفيد التذكير بأن هذه المنطقة لم تكن مصنفة في المشروع الأول للمخطط التوجيهي لبرجا ضمن المناطق القابلة للتوسع العمراني، بل كانت مصنفة ضمن فئة «الوديان»، وهي من أكثر المناطق تقييداً للبناء واستثماراً، وقد خُصصت يومها لتبقى مساحة مفتوحة تؤدي وظيفة بيئية وطبيعية وتشكل متنفساً للبلدة وحزاماً أخضر على أطرافها الجنوبية.

غير أن هذا التوجه تبدل لاحقاً خلال مناقشة المخطط وإقراره، حيث سادت في تلك المرحلة قناعة بضرورة رفع معدلات الاستثمار العمراني وتوسيع المناطق القابلة للبناء. وقد كانت بلدية برجا المنتخبة عام 1998 من الجهات التي دفعت بهذا الاتجاه، فجرى تعديل تصنيف المنطقة وتحويلها إلى منطقة «امتداد سكن ثالث».

وربما بدا ذلك الخيار مبرراً في حينه، إلا أن التجربة التي عاشتها البلدة خلال العقود اللاحقة تدعو اليوم إلى إعادة النظر فيه. فبرجا لم تعد تعاني نقصاً في الأراضي القابلة للبناء بقدر ما تعاني تراجعاً مستمراً في المساحات الطبيعية المفتوحة والمتنفسات البيئية.

ومن هذا المنطلق، قد يكون العقار رقم 1245 فرصة لتصحيح مسار تخطيطي سابق لا لتكريسه. فإقامة مجمع إداري أو أي منشأة عامة كبيرة في هذه المنطقة من شأنه أن يرسخ واقعها العمراني بصورة نهائية، ويجعل العودة إلى وظيفتها الأصلية كمنطقة حماية ومتنفس طبيعي أمراً أكثر صعوبة في المستقبل.

الخلاصة

إن إنشاء مجمع إداري جديد في برجا هدف مشروع ومطلوب، لكن أهمية المشروع تفرض أن يكون اختيار موقعه نتيجة دراسة ومفاضلة شفافة بين البدائل المتاحة، لا مجرد خيار مسبق يحتاج إلى التبرير.

فالعقار رقم 1245 لا يطرح فقط مسألة موقع مبنى إداري جديد، بل يطرح سؤالاً يتعلق بمستقبل واحدة من أكبر المساحات المشاعية المتبقية في البلدة، وبما إذا كان من المصلحة العامة تكريس تصنيفها العمراني الذي جرى تبنيه وإقراره قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، أم إعادة الاعتبار لدورها كمنطقة حماية ومتنفس طبيعي لبرجا.

فالقرارات المتعلقة بالمشاعات العامة ليست قرارات عقارية عابرة، بل خيارات ترسم ملامح البلدة لأجيال قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *