تكويني

المعرفي
لم تكن رحلتي الأكاديمية خطًّا مستقيمًا، بل مسارًا متشعّبًا جسّد نظرة شمولية للمعرفة الإنسانية. رحلة امتدت عبر حقول متنوعة بدأتها بدراسة العمارة وبالتوازي ، أقبلت – مدفوعاً بولع قديم- على دراسة اللغة العربية وآدابها فحصلت على الليسانس عام 1990 . وذلك قبل أن أتم درجة البكالوريوس في هندسة العمارة عام 1992. ولما كانت أسئلة الفكر تشدني دوماً إلى رحاب الفلسفة، فقد أقبلت على دراستها وحصلت على الليسانس عام 1994، وتابعتها بدبلوم دراسات عليا عام 2000. ومع تعمّقي في فهم الإنسان، أكملت دبلوم الدراسات العليا في علم النفس عام 2006. ولم يكن ذلك ختام الرحلة، إذ كللّت المسار بماستر في التخطيط العمراني عام 2016. هذه التعددية لم تكن ترفًا، بل انعكاسًا لتوق داخلي وتعبيراً عن قناعة راسخة بوحدة المعرفة، حيث تتكامل اللغة مع الفكر، والعمارة مع النفس الإنسانية، لتشكّل رؤية متماسكة لفهم الإنسان وعلاقته بالمكان.
هذا التكوين الأكاديمي، في جامعتين مرموقتين هما اللبنانية و بيروت العربية، لم يكن معزولًا عن تكوين ذاتيّ رافقني طوال الطريق؛ من خلال مكتبة خاصة تضم مئات الكتب والمجلات في الفكر والفلسفة والاجتماع والفنون. وما زلت حتى اليوم أوسّع هذا الأفق عبر التعلّم المستمر، من اللغات الأجنبية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، بما يبقيني في تماس حيّ مع أسئلة الحاضر وإمكاناته.

المهني
على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، خضت تجارب مهنية متنوّعة جمعت بين التصميم المعماري والتخطيط الحضري . بدأت مسيرتي مهندسًا معماريًا حرًا منذ عام 1992، ثم انتقلت إلى القطاع العام حيث التحقت عام 2000 بالمديرية العامة للتنظيم المدني في لبنان، وما زلت أعمل فيها حتى اليوم. خلال هذه المرحلة، انخرطت في لجان وطنية متخصصة وأسهمت في إعداد خطط تنظيمية، كما شاركت في دورات تدريبية داخل لبنان وخارجه، ما أتاح لي الاطلاع على تجارب دولية رائدة.
هذه التجارب المتراكمة أكسبتني قدرة على المزاوجة بين النظرية والممارسة. وإلى جانب ذلك، انفتحت في مرحلة ما على عالم التعليم للبقاء على تماس مباشر مع الأجيال الصاعدة، مؤمنًا أن المعرفة تتجدد وتكتمل حين تُنقَل وتُتبادَل.

المجتمعي
إيماني بأنّ المعرفة لا تكتمل من دون التزام مجتمعي دفعني إلى الانخراط في العمل العام، مستلهمًا في ذلك أثر والدي الذي كان رائدًا اجتماعيًا. ومن هذا الإرث، نشأ لديّ – منذ سن مبكر- الهمّ بالمشاركة الفاعلة في الشأن العام، وفي عام 1998، ومع أول انتخابات بلدية يشهدها لبنان بعد الحرب الأهلية، فزت بعضوية المجلس البلدي في برجا وتولّيت منصب نائب الرئيس. وخلال ثلاثين شهرًا، سعيت إلى طرح أفكار وخيارات بنّاءة ترسم سياسات عمرانية وتضع خططًا للنهوض بالبلدة. غير أنّ الأجواء السائدة آنذاك حالت دون تحقيق التغيير المنشود، فآثرت الاستقالة، مقتنعًا بأن الإصلاح لا يقوم إلا في بيئة ملائمة.
ومع ذلك، لم ينطفئ هاجس النهوض بمجتمعي، بل ظلّ حاضراً يوجّه مساري، فواكبت على مدى السنوات المبادرات والاستحقاقات البلدية، إيمانًا مني بأن السلطة المحلية هي الحاضنة الأولى للتغيير، وأن ضخ دماء جديدة في شرايينها سبيلٌ لصوغ بدائل واقعية وممكنة.
وفي عام 2010، أسّست مع ثُلّة من الرفاق جمعية “برجا الغد”، التي تولّيت رئاستها وأشرفت على تحرير مجلتها “غدُنا”، لتكون منبرًا يعكس طموحات الناس وتطلعاتهم.
غير أن التجربة المجتمعية منحتني نظرةً أكثر التصاقًا بالواقع، وأبانت بوضوح أنّ لحظة التغيير لم تحن بعد؛ فما شهدناه على امتداد عقدين ونصف لم يُفرز سلطة محلية تحمل مقوّمات المغير، ولا مجتمعًا مهيّأً لالتقاط الفرصة وخوض غمار اللحظة التاريخية المنشودة. وهكذا ظلّ الطموح في التغيير معلقًا بين مؤسسات عاجزة وبيئة اجتماعية لم تتهيأ بعد لرهان التحوّل

الفكري
لم يتشكّل تكويني الفكري في مسارٍ واحدٍ متصل، بل مرّ بمنعطفٍ حاسم أعاد ترتيب علاقتي بالمعرفة وبالعالم. فقد نشأت في بيتٍ عامر بالكتب، وفي جوٍّ ثقافيٍّ حيّ أسهم، منذ وقت مبكر، في بناء وعيٍ متقدّم، وفتح أمامي أفق السؤال والبحث. هذا المحيط المعرفي لم يكن مجرّد تراكمٍ للقراءة، بل كان دافعًا داخليًا للبحث عن فكرة أعيشها، وأتمثّلها في حياتي اليومية، وأجد فيها معنىً للذات وللعالم من حولي.
في تلك المرحلة الأولى، وجدت نفسي منجذبًا إلى تيار «الصحوة» الذي كان يعيش ذروة حضوره آنذاك، لا بدافع القسر أو الامتثال الأعمى، بل استجابةً لحاجة داخلية إلى الانتماء والمعنى، وإلى إطار يمنح العالم تماسكًا أخلاقيًا وفكريًا. ولقد سعيت، في هذا السياق، إلى إضفاء طابعٍ منطقي وعقلاني على هذا الخيار، وبناء منظومة تفسيرية تمنحه انسجامًا داخليًا. غير أنّ شعورًا خفيًا بعدم الاطمئنان ظلّ يرافقني، كقلقٍ صامت يشير إلى هشاشة الأساس الذي يقوم عليه هذا البناء، مهما بدا متماسكًا في الظاهر.
ومع اتساع دائرة الاطلاع، وتراكم الخبرة، والانفتاح التدريجي على حقول أوسع من المعرفة والنظر، بدأت المرحلة الثانية تتشكّل بتؤدة، حيث تحوّل ذلك القلق من عبءٍ داخلي إلى محرّكٍ واعٍ للبحث والمساءلة. هكذا تبلور مسارٌ فكري جديد، تحرّر من سطوة الموروث غير المفحوص، ومن ضغط السياقات الاجتماعية، واتّخذ من العلم والمعرفة، ومن المنطق والتحليل، أدواته الأساسية في الفهم والتفسير
وقد أفضى هذا التحول إلى وضوح تدريجي في الرؤية، وإلى قدر من الطمأنينة الفكرية، وفتح أمامي أفقًا أوسع للتفاعل مع تنوّع البشر والأفكار، دون أحكام مسبقة أو انغلاق. واليوم،أنظر إلى هذا التشكل الفكري بوصفه رحلة مستمرة لا تزعم الاكتمال، بل تقوم على وعيٍ نقدي دائم، واستعدادٍ مستمر للمراجعة والانفتاح. فالمعرفة، في نظري، ليست محطة وصول، بل حركة دائمة نحو فهم أعمق للإنسان والعالم وإمكاناتهما.
