تخطى إلى المحتوى

السماح بإبادة غزة: سقوط مدوّ لقيم الغرب

«أسوأ ما في الأخلاق المتدنية ليس الأفعال الشريرة، بل غياب الاستنكار الأخلاقي لها».

 جان ستيوارت ميل

 طوفان الأقصى: صرخة في وجه الظلم

في فجر السابع من أكتوبر 2023، انفجر بركان الغضب الفلسطيني في وجه الظلم المتراكم عبر عقود من القهر والاضطهاد. فعملية «طوفان الأقصى» لم تكن سوى ثمرة طبيعية لسياسة ممنهجة حولت قطاع غزة إلى أكبر سجن في التاريخ المعاصر، وفرضت حصاراً خانقاً على مليوني إنسان، سالبة إياهم أبسط حقوق العيش الكريم. فكيف لشعبٍ يُخنق يوماً بعد يوم ألا ينتفض في وجه جلاديه؟  وكيف لمن حُرم أنسام الحرية ألا يهب كالإعصار ليكسر أغلال السجان؟ إنها معادلة تاريخية بسيطة: كلما اشتد الظلم، تصاعدت حدّة المقاومة وتعاظمت قوتها.

جذور المأساة: من الوعد المشؤوم إلى النكبة

تلك هي الأسباب القريبة لملحمة طوفان الأقصى، أما أسبابها البعيدة فتمتد إلى عام 1917 حين أصدر وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور وعده المشؤوم. في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، منحت بريطانيا العظمى ما لا تملك لمن لا يستحق. فتحْت شعار خادع “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، توافد المهاجرون اليهود من شتى بقاع الأرض إلى فلسطين يقيمون عليها مستعمراتهم. ثم توجت المؤامرة عام 1948 بإعلان قيام إسرائيل، وعلى إثرها، ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر دموية، وهجرت مئات الآلاف من الفلسطينيين قسراً من ديارهم، في نكبة ما زال جرحها نازفاً.​​​​​​​​​​​​​​​​ 

الصدمة والانتقام: تعرية الوهم الصهيوني

كشفت عملية طوفان الأقصى عن هشاشة منظومة الأمن الإسرائيلية التي طالما تغنى بها قادة الكيان. فالضربة النوعية التي تلقتها إسرائيل في عقر دارها لم تقوض جدار الأمن الواهي فحسب، بل حطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. وكعادة المحتل الذي يُصاب في كبريائه، جاء الرد الإسرائيلي همجياً يفتقد لأدنى معايير الإنسانية. فمن القصف العشوائي للأحياء السكنية، إلى تدمير المستشفيات والمدارس ودور العبادة، وصولاً إلى الاجتياح البري الوحشي، تجلت عقلية الانتقام الأعمى التي تستبيح كل المحرمات.

مغالطة “الدفاع عن النفس”: منطق المحتل المقلوب

إذّاك، خرج المحتل على العالم بذريعة واهية يبرر بها جرائمه: “الدفاع عن النفس”. لم تكن هذه الذريعة إلا مسرحية هزلية تتحدى المنطق والعقل. فأي منطق هذا الذي يبيح للسارق أن يدافع عن المسروقات؟ وأي قانون يمنح المغتصب حق حماية ما اغتصب؟ إن القانون الدولي واضح وضوح الشمس: للشعوب المحتلة الحق المشروع في مقاومة محتليها بكافة الوسائل المتاحة. أما ما تقوم به إسرائيل في غزة فهو تطهير عرقي ممنهج يرتقي إلى مستوى جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية.

حصاد عام من العدوان: أرقام تدمي القلوب

في سجل التاريخ المعاصر، سيبقى العام الممتد من أكتوبر 2023 إلى أكتوبر 2024 شاهداً على أبشع جريمة إبادة جماعية. الأرقام تتحدث عن نفسها: أكثر من أربعين ألف شهيد، مائة ألف جريح، وآلاف المفقودين تحت الأنقاض. مستشفيات دُمرت عن بكرة أبيها، مدارس تحولت إلى ركام، أطباء وصحفيون استُهدفوا عمداً. وفي مساحة لا تتجاوز 350 كيلومتراً مربعاً، ألقيت قنابل تعادل في قوتها التدميرية عدة قنابل نووية، في مشهد لم تشهد له البشرية مثيلاً منذ الحرب العالمية الثانية.

 الصمت العالمي: تواطؤ يكتبه التاريخ بحروف من عار

وسط هذا الجنون، قام الغرب يبرر ويسوّغ، متجاهلاً حقيقة أن ما يحدث هو عقاب جماعي يتنافى مع أبسط قواعد القانون الدولي، ومتناسياً أن “حق الدفاع عن النفس” لا يمكن أن يكون غطاءً لإبادة شعب بأكمله.​​​​​​​​​​​​​​​​ وعندما يصمت العالم عن جريمة بهذا الحجم، فإن صمته يتحول إلى تواطؤ صريح. فالعجز عن حماية المدنيين على مدار عام كامل ليس مجرد فشل سياسي أو دبلوماسي، بل هو مشاركة فعلية في الجريمة. إن المجتمع الدولي بصمته المريب هذا يكتب صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية، صفحة ستقرأها الأجيال القادمة بخجل وعار، متسائلة: كيف سمح العالم المتحضر بحدوث مثل هذه الجريمة في القرن الحادي والعشرين؟

الدعم الأمريكي: عندما تتحول القوة العظمى إلى شريك في الجريمة

مع أفول شمس الإمبراطورية البريطانية، تولت الولايات المتحدة الأمريكية دور الراعي الأول للمشروع الصهيوني، معلنة فصلاً جديداً من فصول الإستعمار الغربي. غير أن الدعم الأمريكي لإسرائيل تجاوز حدود المنطق والأخلاق. إنه دعم يضرب بعرض الحائط كل القيم التي تدّعي أمريكا الدفاع عنها. فكيف لدولة ترفع شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان أن تقف بكل ثقلها خلف جرائم حرب موثقة، وقبل ذلك خلف الاحتلال ؟ الإجابة تكمن في مزيج معقد من العوامل:  قوة اللوبي الصهيوني في واشنطن، والمعتقدات المسيحية الصهيونية، والمصالح الاستراتيجية بالشرق الأوسط، وحاجة أمريكا لإسرائيل كقاعدة عسكرية متقدمة لحماية مصالحها النفطية بالمنطقة.​​​​​​​​​​​​​​​​ لكن هذا الدعم المطلق يكشف عن النفاق الأمريكي ويقوض مصداقيتها العالمية.

أوروبا: عندما يتحول حامي حقوق الإنسان إلى متفرج على الجريمة

أما أوروبا، مهد الديمقراطية وحقوق الإنسان، فقد وقفت موقفاً مخزياً أمام مأساة غزة. فالقارة التي عانت من ويلات النازية، وتدّعي استخلاص الدروس من تلك الحقبة المظلمة، تغض الطرف اليوم عن ممارسات مشابهة ضد الشعب الفلسطيني. إنه تناقض صارخ يكشف عن ازدواجية المعايير وانهيار القيم الأوروبية المعلنة أمام مصالح سياسية ضيقة. يرجع موقف أوروبا هذا إلى عقدة الذنب تجاه اليهود بسبب المحرقة، وضغوط اللوبي الصهيوني، والتبعية للسياسة الأمريكية، والمصالح الاقتصادية المشتركة. ​​​​​​​​​​​​​لكن هذا لا يبرر صمتها على إبادة شعب آخر وتدمير حياته.​​​​​​​​​​​​​​​​

 المنظومة الدولية: عندما يتحول القانون إلى أداة في يد الأقوياء

لقد كشفت أزمة غزة عن العطب العميق في المنظومة الدولية بكل مؤسساتها. فحق النقض (الفيتو) الأمريكي قد حوّل مجلس الأمن إلى أداة لحماية المعتدي بدلاً من ردعه. وحتى عندما تصدر المحكمة الدولية قراراً يدين الممارسات الإسرائيلية، يتم تجاهله بكل صلف وغطرسة. إننا أمام منظومة دولية تحولت من آلية لحفظ السلم والأمن الدوليين إلى غطاء شرعي للظلم والعدوان.  إن فشل المنظمة الدولية في وقف العدوان على غزة هو إعلان صارخ عن انهيار هذا النظام، ما يدعو إلى إعادة بناء منظومة دولية جديدة قادرة على إحقاق العدالة والحفاظ على السلم العالمي.

صحوة الشعوب: ضمير الإنسانية النابض

وسط هذا الظلام الدامس، يبقى الضوء الوحيد المشع هو موقف الشعوب الحرة. فمن شوارع لندن إلى ساحات نيويورك، ومن جاكارتا إلى كيب تاون إلى ميادين باريس، خرجت الجماهير بالملايين تهتف للحق الفلسطيني. وشهدت الجامعات العريقة في كل من أميركا وأوروبا موجة احتجاجات غير مسبوقة، فنصب طلابها خيام الاعتصام مطالبين بمقاطعة إسرائيل أكاديمياً واقتصادياً. إنها صحوة ضمير عالمية تؤكد أن الشعوب ما زالت حية، وأن الضمير الإنساني لم يمت بعد. ورغم أن هذه المظاهرات لم تنجح في وقف العدوان، إلا أنها كشفت عن وعي عالمي مستجد بعدالة القضية الفلسطينية. أخيراً، بعد سنوات طويلة من التعتيم والتضليل، أدرك الملايين حول العالم حقيقة المأساة التي يعيشها الفلسطينيون.

خاتمة: دروس من رحم المأساة

لقد كشفت حرب غزة عن حقائق مرة: إسرائيل دولة خارجة عن القانون، لا تحترم القيم الإنسانية ولا تستجيب للضغوط الدولية. كما كشفت عن حجم النفوذ الإسرائيلي المخيف على صناع القرار في الغرب. نحن نعيش في عالم تحكمه قوانين الغاب، حيث تغلب القوة العدالة، وتتقدم المصالح على القيم. لكن التاريخ يعلمنا درساً ثميناً: أن الظلم مهما طال أمده، وأن القوة مهما بلغت جبروتها، فإن نهايتها حتمية. فالشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا يمكن أن تُهزم، والحق الذي تسانده إرادة الشعوب لا بد أن ينتصر في النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *