“عدوك الجبان الذي لم يستطع قتلك سيقتل أطفالك” غيفارا
أرض المآسي والجراح
على أرض غزة المثخنة بالجراح، حيث تتمازج أصداء القذائف مع آهات الثكالى ، تتناثر آلاف القصص كأنها شظايا قلوب محطمة تطفو فوق بحر من المآسي. كل قصة هي جرح نازف في جسد المدينة المحاصرة، وكل حكاية صرخة مكتومة في فم الإنسانية. من بين تلك القصص تبرز قصة كمال الطفل الفلسطيني الذي شهد عالمه ينهار في لحظة غدر.
لحظة الفراق الأليمة
ففي لحظة واحدة، فقد كمال أخويه الحبيبين، فراس وأحمد، تحت وابل القذائف الإسرائيلية التي حولت منزلهم في خان يونس إلى مقبرة جماعية. لكن المشهد الذي هز ضمير الإنسانية كان وداع كمال لأخيه فراس. صورة الطفل المكلوم وهو يمد يده المرتجفة نحو جثمان أخيه قبل أن يُحمل إلى مثواه الأخير، حفرت في ذاكرة العالم لوحة مؤلمة لن تُمحى – لوحة تجسد قسوة الحرب وغدر العدو في أبشع صورها.
صرخة في وجه الظلم
كمال، الطفل ذو الاثني عشر ربيعًا، يجلس على كرسيه المتحرك، يحف به عدد من الممرضين والمسعفين. جسده الصغير المثخن بالجراح، شاهد حي على وحشية لا تعرف الرحمة. عيناه الغارقتان في الدموع تحكيان قصة ألم لا يوصف، ألم طفل إغتالت الحرب براءته وسرقت منه فرحة الطفولة.
«فراس يا فراس..
ّرُدّ عليّ
بدّي أبوسه!»
صرخته التي تمزق القلوب ليست مجرد كلمات وداع، بل هي اتهام صارخ لعالم صمّ أذنيه عن صرخات الأبرياء، هي صدى لملايين الصرخات الخافتة لأطفال غزة المكلومين.
لحظات الرعب الأخيرة
وبصوت يرتجف من هول الصدمة، يروي كمال لحظات الرعب الأخيرة:
“كنا قاعدين…
صحيت على صوت الدبّة.
قصفوا الدار، تكسّر حاجة فوق.
بعدين أخوي قام يزعق علي:
يا كمال، يا كمال.
كان عايش والله…
بعدين علشان الحجارة في فمه ما قدرش يزعق علي
قعد يقول: أوه.. أوه..”
كلماته تنقش في الذاكرة صورة مروعة لجريمة حرب بشعة. طفلان بريئان، حُولا في لحظة إلى ضحايا لعدوان لا يميز بين طفل وحجر. في عيني كمال تتراءى أشباح الماضي القريب – ضحكاتٌ مع فراس في أزقة خان يونس، أحلامٌ بسيطة لمستقبل لن يأتي، هي الآن محفورة في الذاكرة كندوب على صفحة الروح.
وداع بين الأنقاض
بينما يُحمل جثمان فراس بعيدًا، يهمس كمال:
“الله يرحمه… الله يرحمه…”
دعاؤه البسيط يختنق في حلقه، يحمل في طياته مرارة الظلم وقسوة القدر. كيف لطفل أن يستوعب هذا الكم الهائل من الألم؟ كيف له أن يفهم لماذا انتُزع منه أخوه بهذه الوحشية؟
الممرضة التي تقف بجانبه تحاول جاهدة كبت دموعها، لكن قلبها يتمزق مع كل شهقة ألم تصدر عن كمال. يداها ترتجفان وهي تحاول التخفيف من معاناته الناجمة عن جراحه الجسدية، عاجزة عن تضميد الجرح الأعمق في روحه.
الظلام يلف المدينة
خارج جدران المستشفى، لا تكف أصوات القصف عن الدوي. السماء ملبدة بدخان أسود كثيف، كأنه ستار حداد على براءة مهدورة. في كل زاوية من زوايا غزة المحاصرة، ثمة قصة كمال وفراس تتكرر – أطفال يدفنون تحت الأنقاض، وآخرون يعيشون ليشهدوا على مأساة جيل بأكمله.
في الليل، وبينما يغفو كمال على سريره في المستشفى، تطارده كوابيس لا ترحم. في أحلامه، يرى وجه فراس يناديه من تحت الأنقاض، يسمع صرخاته التي اختنقت تحت ركام المنزل. يستيقظ مرارًا وتكرارًا، عيناه تبحثان في الظلام عن شبح أخ لن يعود.
جرح لن يندمل
قصة كمال ليست مجرد قصة طفل واحد، بل هي قصة شعب بأكمله يواجه آلة حرب لا ترحم. شعب يدفع ثمن صراع لم يختره، ويعاني من ظلم تاريخي مستمر. وهي فصل في سجل طويل من الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل ضد الإنسانية. فصل شاهد على فشل المجتمع الدولي في حماية الأبرياء. إن صوت كمال، وأصوات آلاف الأطفال مثله تصرخ في وجه عالم اختار الصمت، مطالبة بالعدالة لجيل سُرقت منه طفولته وحقه في الحياة.
