
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بساعة، حين نهضت من مرقدي مذعوراً على ضجيج صاخب كأنه الرعد يمزق سكون المدينة. نظرت فإذا بالسماء تتلألأ بأزهار من نار، تنفجر ثم لا تلبث أن تتناثر فوق الأرض الناعسة . تذكرت عندها أن الليلة ميعاد إعلان نتائج الامتحانات العامة.
قلت لنفسي: يا للعجب! أهكذا يكون النجاح؟ أبالضجيج والصخب يُعلن المرء عن فرحته؟ وهل الفرح لا يكتمل إلا بإيقاظ النائمين وإقلاق راحة الساكنين؟ فيا أيها الفرحون، المبتهجون بنجاحهم، هل فكرتم للحظة في ذلك الطفل الذي أفزعتموه من نومه، أو في ذلك الشيخ الذي ارتعشت أوصاله من هول ما سمع؟ أو ذلك العامل الكادح الذي سلبتموه لحظات سكينته قبل يوم جديد من الكد والعمل ؟
أيها الناجحون، يا من تظنون أنكم بلغتم قمة المجد باجتياز امتحان، ألا تعلمون أن ما ينتظركم من امتحان الحياة أكبر وأعظم؟ إن النجاح الحقيقي ليس في الدرجات التي حصلتم عليها، بل في القيم التي تحملونها والأثر الذي تتركونه وراءكم. فيا ليتكم تدركون أن النجاح الأسمى هو في أن تكونوا سبباً في سعادة الآخرين، وأن الفرح الأنبل هو ذاك الذي يشع من داخلكم، فيضيء قلوب من حولكم دون أن يؤذيهم.
واعلموا أن الفضاء الذي تطلقون فيه صيحاتكم ونيران مفرقعاتكم ليس ملكاً لكم وحدكم. إنه فضاء مشترك، يتنفس فيه الجميع، ويحلم فيه الجميع، ويسعى فيه الجميع نحو غدٍ أفضل. فكيف لكم أن تستأثروا به دون اعتبار لحق الآخرين فيه؟
أيها الفرحون، إن فرحكم جميل، ونجاحكم مبارك. ولكن تذكروا أن العظمة لا تكمن في القدرة على إحداث الضجيج، بل في القدرة على إشاعة السكينة. فالنهر العظيم يجري بصمت، والشمس تشرق دون ضوضاء، والزهرة تتفتح في هدوء.
ورُب قائل: “هي ليلة واحدة وتنقضي، فما الضير في أن يحتفل الناجحون بفرحتهم؟” ولهذا القائل أقول: نعم، هي ليلة واحدة، لكنها تحمل مغزى كبيراً. إنها انعكاس لقيمنا ومبادئنا وفهمنا للحياة العامة . ما يحدث الليلة ليس مجرد احتفال، بل درس نلقنه لأجيالنا القادمة عن معنى النجاح وكيفية التعبير عنه. فهل نريد أن نعلمهم أن الفرح يكون على حساب راحة الآخرين؟
أيها الليل، يا ملاذ المتعبين ومهد الحالمين، كم عانيت من وطأة هذا الصخب الذي مزق سكونك المقدس؟
أيتها المدينة المتعبة، كم من الأحلام الوديعة تبعثرت في زواياك، تلملم شتاتها وسط عاصفة الأصوات الصاخبة؟
ويا أيها المستيقظون قسراً، اغفروا لهؤلاء الشباب زلتهم. فهم في غمرة فرحهم نسوا أن الحياة أكبر من لحظتهم، وأن العالم أوسع من ذواتهم. ولعل في صخبهم هذا درساً لنا جميعاً، أن نعيد النظر في قيمنا ومفاهيمنا، وأن نتذكر دوماً أن الإنسانية الحقة إنما تتجلى في مراعاة مشاعر الآخرين واحترام حقوقهم، حتى في أوج سعادتنا.