تخطى إلى المحتوى

البلدية وجودة الحياة: الوظيفة المنسية للمجالس المحلية

العمران ليس غاية في ذاته، بل إطار للحياة. والطرقات والساحات والمباني لا تكتسب قيمتها من وجودها المادي فحسب، بل من قدرتها على توفير بيئة صالحة للعيش الكريم.

من هنا، فإن وظيفة البلدية لا تختصر بتعبيد طريق أو إنشاء رصيف أو تشييد جدار دعم، على أهمية هذه الأعمال جميعاً. ذلك أن البلدية هي أيضاً حارسة النظام العام المحلي، والمسؤولة عن حماية راحة السكان وتنظيم الحياة المشتركة بينهم. وما قيمة الإنجازات العمرانية إذا افتقدت البلدة إلى الهدوء والنظام واحترام حقوق الجوار؟

هذا الدور، على أهميته، يكاد يكون من أكثر الأدوار البلدية إهمالاً، رغم أنه من أكثرها تأثيراً في حياة الناس اليومية وشعورهم بالانتماء إلى المكان الذي يعيشون فيه.

النظام العام المحلي: مهمة بلدية قبل أن تكون أمنية

بين سلطة الدولة الكبرى وهموم الناس اليومية مساحة واسعة تتولى البلدية إدارتها. ففي الشارع والحي والساحة العامة تنشأ معظم المشكلات التي تؤثر في حياة السكان وراحتهم، وهناك أيضاً يبدأ دور البلدية الحقيقي.

وقد جمع القانون هذه المسؤوليات تحت عنوان واحد هو “النظام العام”. وهو مفهوم لا يقتصر على الأمن كما قد يُظن، بل يمتد إلى الصحة والراحة العامة. لذلك فإن حماية الهدوء في الأحياء السكنية، ومنع التعديات على الأملاك العامة، وتنظيم استعمال الفضاء المشترك، ليست أعمالاً ثانوية أو كمالية، بل هي من صميم الوظيفة البلدية التي أرادها المشرّع.

فالضجيج الليلي، واحتلال الأرصفة، والتجمعات المزعجة في الأحياء السكنية، والفوضى المرورية المحلية، واستعمال مكبرات الصوت بصورة عشوائية، وإطلاق المفرقعات وإزعاج الدراجات النارية، ورمي النفايات في غير أماكنها، والتعديات على الأملاك العامة، كلها ليست مجرد مخالفات متفرقة، بل مظاهر لاختلال النظام العام المحلي وانعكاس مباشر لتراجع جودة الحياة.

ماذا يقول قانون البلديات؟

لم يغفل قانون البلديات هذا الجانب من الحياة المحلية، بل وضعه في صلب المسؤوليات البلدية. فالمحافظة على الصحة والسلامة والراحة العامة، وتنظيم استعمال الأملاك العامة، وحماية النظام ضمن النطاق البلدي، كلها مهام أسندها المشرّع إلى السلطات البلدية بصورة واضحة وقد منح رئيس البلدية، بوصفه السلطة التنفيذية المحلية، صلاحيات إصدار القرارات التنظيمية واتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على النظام العام والاستعانة بالشرطة البلدية لتنفيذ هذه القرارات ومتابعة تطبيقها.

غير أن وضوح النص شيء، وحضوره في الممارسة اليومية شيء آخر. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف عندها.

السكينة العامة: الحق الذي لا يتحدث عنه أحد

ومن بين عناصر النظام العام كافة، تبدو السكينة العامة الأقل حضوراً في الخطاب العام، رغم أنها الأكثر التصاقاً بحياة الناس اليومية. فحق الإنسان في النوم بهدوء، وحق الأطفال في الدراسة، وحق المرضى وكبار السن في الراحة، ليست مطالب ثانوية أو ترفاً اجتماعياً، بل حقوق أساسية لا تقل أهمية عن سائر الحقوق التي يفترض بالمجتمع حمايتها.

وتتجلى السكينة العامة في أبسط تفاصيل الحياة اليومية: في شارع لا يضج حتى ساعات متأخرة من الليل، وفي رصيف صالح للمشاة، وفي ساحة عامة يستفيد منها الجميع من دون فوضى أو تعديات، وفي فضاء مشترك تحكمه قواعد تحترم حقوق الجميع.

ولعل المفارقة أن بعض البلديات قد تنفق مبالغ كبيرة على مشروع عمراني جديد، فيما تبقى مشكلات يومية صغيرة قادرة على تعكير حياة حي بأكمله سنوات طويلة من دون معالجة، رغم أن حلها لا يحتاج دائماً إلى المال بقدر ما يحتاج إلى حضور السلطة المحلية ومتابعتها.

لماذا تراجع هذا الدور؟

إذا كانت السكينة العامة تحتل هذه المكانة في حياة الناس، فلماذا تراجع الاهتمام بها في كثير من بلدياتنا؟

لعل السبب الأول يكمن في هيمنة ثقافة المشاريع على العمل البلدي. فالطريق المعبدة والساحة المؤهلة والحديقة الجديدة إنجازات ظاهرة يسهل عرضها وقياسها والتفاخر بها. أما النظام العام والراحة العامة فهما إنجازان صامتان، لا تُعلّق لهما اللوحات التذكارية ولا تُقص لهما شرائط الافتتاح.

ويضاف إلى ذلك أن تطبيق الأنظمة أكثر صعوبة من تنفيذ المشاريع. فبناء جدار دعم لا يثير اعتراض أحد، أما إزالة تعدٍ على رصيف أو معالجة مصدر إزعاج أو فرض احترام القواعد المشتركة، فقد يضع البلدية في مواجهة مباشرة مع بعض المخالفين.

كما أن ضعف الشرطة البلدية في العديد من البلديات، وقلة عديدها وتجهيزها، يحدّان من قدرة السلطات المحلية على متابعة المخالفات والاستجابة للشكاوى. ويواكب ذلك تراجع في ثقافة المواطنة واحترام الفضاء المشترك، حيث لا يزال بعض الأفراد ينظرون إلى الشارع أو الرصيف أو الساحة العامة وكأنها امتداد لمجالهم الخاص.

كيف تبني البلدية بيئة مريحة للعيش؟

غير أن معالجة هذه المشكلة لا تتطلب بالضرورة موازنات كبيرة أو مشاريع معقدة. فكثير من عناصر جودة الحياة يمكن تحسينها من خلال إدارة محلية يقظة وقواعد واضحة تطبق بعدالة واستمرار.

ويبدأ ذلك من حماية حق المشاة في استعمال الأرصفة، وتنظيم استعمال الساحات والحدائق العامة، وضبط مصادر الضجيج والإزعاج، ومعالجة التعديات على الأملاك العامة، وتنظيم الوقوف العشوائي للسيارات في الأحياء السكنية وحول المدارس والمرافق العامة.

كما يقتضي تفعيل دور الشرطة البلدية، ليس بوصفها جهازاً للعقاب، بل باعتبارها أداة لحماية النظام العام المحلي والاستجابة لشكاوى المواطنين ومتابعة تطبيق القرارات البلدية.

فالمشكلة في كثير من بلدياتنا ليست في اتساع صلاحياتها، بل في ضمور ممارستها. والنقص ليس في النصوص، بل في الانتقال بها من صفحات القانون إلى شوارع البلدة وأحيائها.

من بلدية الخدمات إلى بلدية جودة الحياة

في العديد من المدن والبلدات الحديثة، لم يعد نجاح البلدية يُقاس بعدد المشاريع المنفذة وحدها، بل أيضاً بمستوى الراحة والهدوء والنظام الذي يشعر به السكان في حياتهم اليومية.

ولهذا تحظى قضايا مثل الضجيج الليلي، وسلامة المشاة، وتنظيم استعمال الساحات والأرصفة، وحماية الأحياء السكنية من مصادر الإزعاج، باهتمام لا يقل عن الاهتمام بالطرقات والمرافق العامة. فالبلدية هناك لا تكتفي بإدارة البنية التحتية، بل تتولى أيضاً إدارة الحياة المشتركة داخل الفضاء العام.

غير أن الفارق لا يكمن بالضرورة في نوعية التشريعات أو حجم الصلاحيات. فالقوانين اللبنانية منحت البلديات ورؤساءها صلاحيات واسعة في مجالات الصحة والسلامة والراحة العامة وتنظيم استعمال الأملاك العامة. ولعل التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال بهذه الصلاحيات من النصوص إلى الممارسة اليومية.

فالنظام العام لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه أيضاً إرادة التطبيق واستمراريته.

خاتمة

لقد اعتدنا أن ننظر إلى البلدية من خلال ما تبنيه من طرقات وساحات ومبانٍ عامة. غير أن جانباً مهماً من رسالتها يتجاوز الحجر إلى الإنسان، ويتجاوز العمران إلى الحياة التي تدور في إطاره.

فالبلدة الجيدة ليست تلك التي تملك أكبر عدد من المشاريع، بل تلك التي يشعر سكانها فيها بالأمان والراحة والاحترام المتبادل. والبلدية الناجحة ليست فقط من تنفذ المشاريع، بل من تنجح أيضاً في صون النظام العام المحلي وحماية السكينة العامة التي تجعل من البلدة مكاناً صالحاً للعيش.

إن العمران، في نهاية المطاف، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لخدمة الإنسان.  وتنظيم المكان لا يكتمل إلا بحسن تنظيم الحياة التي تدور فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *