تخطى إلى المحتوى

نقد العقل الديني وإشكالية التدين: قراءة في فكر عبد الجواد ياسين (2)

الجذور الفلسفية للإشكال

يؤسس عبد الجواد ياسين لفهم إشكالية التدين من خلال التمييز الجوهري بين الدين والتدين. فالدين عنده وحي إلهي مطلق يتجاوز حدود الزمان والمكان، يتمثل في جوهره في الإيمان بالله والأخلاق الكلية. أما التدين فهو الممارسة البشرية لهذا المطلق في سياق اجتماعي محدد.

هذا التمييز يكشف عن جدلية عميقة بين المطلق والنسبي، حيث يتجلى المطلق في عالم نسبي محكوم بقوانين التطور والتعدد. وحين يدخل المطلق إلى ” حيز العالم النسبي” يفقد إطلاقه، إذ تتعدد صوره بتعدد التصورات والممارسات. غير أن التدين التاريخيّ لا يعترف بهذا التعدد نتيجة الخلط بين المطلق في ذاته والمطلق كما يتجلى في العالم الاجتماعي. هذا الخلط يؤسّس لتقديس تصوره ونفي الآخر، وهنا تكمن أزمة العقل الديني التقليدي*.

المعضلات الهيكلية للتدين

تناولنا في الحلقة الأولى كيف يتناقض التدين مع قانوني التطور والتنوع. فالتدين التاريخي يواجه مأزقاً في علاقته مع حركة التطور الاجتماعي بسبب نزوعه نحو تثبيت معطيات تاريخية متغيرة وتأبيدها. كما يصطدم مع حقيقة التنوع الإنساني من خلال ادعائه امتلاك الحق الحصري ونفي الآخر. إلى جانب هاتين المعضلتين تبرز معضلة النص، والتي تتجلى في مستويين اثنين:

الأول: طبيعة النص ذاته، حيث يشير إلى أن “شقاً كبيراً جداً من النص اصطنعه التدين”. فالتدين لم يكتف بتفسير النص، بل تجاوز ذلك إلى صناعة نصوص موازية من خلال الروايات الموضوعة والأحاديث الضعيفة والمكذوبة. هذا التصنيع للنص يمثل إشكالية في أصل النص وموثوقيته.

الثاني: مفهوم النصية، وهو الأخطر، ويتمثل في أن العقل الديني يعتبر “كتلة النص بالكامل مقدسة وصالحة لكل زمان ومكان”، بينما في الحقيقة يحتوي النص الصحيح على شقين:

– المطلق الإلهي

– الاجتماعي المرتبط بأحداث وظروف معينة وقت نزول النص

هذا الفهم المطلق للنص من قبل العقل الديني هو ما يفسر التوتر المزمن في علاقة الدين بالاجتماع، وهو ما تستغله الجماعات المتطرفة اليوم حين تستخدم النص على الإطلاق كما لو كان قاعدة تطبق في كل الأوقات، دون تمييز بين ما هو مطلق وما هو مرتبط بسياقه التاريخي.

كيف أساء تاريخ التدين إلى فكرة الدين

يؤكد ياسين أن التدين، خاصة في صورته التوحيدية، قد أساء إلى فكرة الدين وأضر بجوهرها النقي. لقد أساء التدينُ إلى الدين لأنه كما يقول “ربط عبر تاريخه الطويل بين الدين والخرافة، ما أدى إلى مصادرة العقل، كما قرن الدينَ بالظلم الإنساني وبالقمع السياسي للدولة. وفرض فكرة الحصرية التي تكبل الذات وتمنعها من التعبير عن رؤاها وتصوراتها المشروعة”. ومع ذلك، يرى ياسين أن فكرة الدين تظل في أصلها فكرة جميلة تلبي حاجة الإنسان الفطرية إلى الإحساس بالدفء والروح، وهو ما يؤكد أهمية التمييز بين جوهر الدين وتاريخ التدين.

التدين المؤسسي وتضخم البنية الدينية

يقدم عبد الجواد ياسين تحليلاً عميقاً لظاهرة المؤسسة الدينية وتأثيرها في تشكيل التدين. فالمؤسسة الدينية نشأت تاريخياً كإطار تنظيمي لتفسير النص الديني وشرحه، لكنها تجاوزت هذا الدور لتصبح منتجة للنصوص عبر ما يسميه ياسين “تصنيع النص”، من خلال الروايات والأحاديث والتفاسير.

وتكمن الإشكالية الأساسية في التعارض بين طبيعة التدين كتجربة فردية وبين النمط الجماعي المؤسسي الذي فرضته المؤسسة الدينية، والذي أدى إلى تضخم البنية الدينية عبر إضافة كتلة من التشريعات والتكليفات البشرية التي اكتسبت صفة القداسة والتأبيد، رغم كونها نتاجاً اجتماعياً متغيراً بطبيعته. يرى ياسين أن التدين الفردي هو الأقرب إلى جوهر الدين، إذ يمثل “إحساساً فردياً بالله وإيماناً بالله وبالأخلاق”، وهو تعبير عن العلاقة الطبيعية بين الروح الإنساني والمطلق الإلهي، دون وساطة مؤسسية أو قيود جماعية. هذا التدين الفردي أكثر انسجاماً مع الطبيعة الإنسانية وأقدر على التكيف مع حركة التطور الاجتماعي.

العقل الديني: البنية الأصولية المتأصلة

يرى ياسين أن العقل الديني، في بنيته العميقة، يحمل بذور الأصولية. فالتدين من طبيعته أن يفرز أصوليته الخاصة في كل زمان ومكان، وذلك لسببين جوهريين: الأول هو تبنيه لفكرة الواحدية المطلقة التي تتعارض مع قانون التنوع الطبيعي والإنساني. والثاني هو اعتماده مبدأ التأبيد الحصري الملزم الذي يتناقض مع قانون التطور الطبيعي. هذان السببان يجعلان الصدام حتمياً بين العقل الديني والواقع الاجتماعي المتغير. فالعقل الديني يتعامل مع النص باعتباره كتلة واحدة مقدسة ومؤبدة، دون تمييز بين ما هو مطلق إلهي وما هو اجتماعي متغير، ما يؤدي إلى تصلب في مواجهة أي تغيير أو تنوع، وهو ما يمثل جوهر الفكر الأصولي.

الأصولية كتجلٍ حداثي للتدين

تتسم الأصولية بنظر ياسين بجدلية خاصة في علاقتها مع المعاصرة، فهي تستند إلى المنظومة الفقهية التراثية وتستمد شرعيتها من التدين التاريخي، لكنها في الوقت نفسه تُعيد إنتاج هذا التراث في سياق معاصر، مع تركيز اهتمامها على الشق التشريعي والسياسي أكثر من الجوانب الأخلاقية والإيمانيّة.

ويُظهر تحليل عبد الجواد ياسين أن الأصولية، رغم تمسكها بالخطاب التراثي، هي ظاهرة حداثية بامتياز، تتجلى حداثيتها في توظيفها لأدوات العصر وآلياته، كاستخدام الإنترنت والتقنيات الحديثة، وفي تبنيها لمفردات من قاموس الأيديولوجيا المعاصرة **.

أما إشكالية العنف الديني، فيعود ياسين بجذورها إلى المفهوم السائد للنص في التدين التاريخي، حيث يُنظر إلى النص كمعطى نهائي مقدس في جميع أجزائه، دون تمييز بين المطلق والنسبي فيه. هذا الفهم يؤدي إلى تحصين المقولات الدينية بإسنادها إلى الله، مما يخلق أساساً معرفياً للعنف من خلال فكرة الامتلاك الحصري للحق ونفي الآخر.

في الحلقة المقبلة، سوف نستكشف التداعيات العميقة لهذه الرؤية على المستويين الفردي والجماعي، وسوف نرى كيف يمكن لهذه الرؤية أن تمنع الدين من التحول إلى سلطة قمعية، بينما تفتح الآفاق أمام الإنسان ليبحر بحريّة في فضاءات الإيمان الرحبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الحقيقة الدينية المطلقة (كالوحي الإلهي) عندما تدخل في حياة البشر وفهمهم، تصبح نسبية لأنها تتأثر بعدة عوامل:

– فهم الناس المختلف لها

– الظروف الزمانية والمكانية

– الثقافات المتنوعة

مثال عملي: تخيل أن هناك ضوءاً أبيض نقياً (يمثل المطلق). عندما يمر هذا الضوء عبر موشور زجاجي، ينكسر إلى ألوان مختلفة (يمثل النسبي). كل لون هو انعكاس للضوء الأصلي، لكن بطريقة مختلفة.

المشكلة هي أن بعض المتدينين يخلطون بين:

1. المطلق في أصله (الحقيقة الإلهية النقية)

2. فهمهم الخاص لهذا المطلق (تفسيرهم البشري المحدود)

وهذا يجعلهم يعتقدون أن فهمهم هو الوحيد الصحيح، رافضين قبول التفسيرات الأخرى المحتملة، وهنا تكمن الأزمة.

** حسب تحليل عبد الجواد ياسين، تتبنى الأصولية مفردات الأيديولوجيا المعاصرة من خلال عدة مظاهر:

أولاً، تشترك الأصولية مع الأيديولوجيات المعاصرة في تقديم “وعد بالتغيير” – تماماً كما قدمت الاشتراكية وعداً بالمساواة والرأسمالية وعداً بالرفاهية.

ثانياً، تركز الأصولية على الشق السياسي والتشريعي في خطابها، متجاوزة الجوانب الإيمانية والأخلاقية، ما يجعلها أقرب في طبيعتها إلى الأيديولوجيات السياسية المعاصرة.

ثالثاً، تتبنى الأصولية منطق الصراع والمواجهة مع “الآخر” بشكل يشبه الصراعات الأيديولوجية، حيث تقدم نفسها كبديل شامل وحصري للأنظمة القائمة، تماماً كما فعلت الأيديولوجيات الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *