تخطى إلى المحتوى

نقد العقل الديني وإشكالية التدين: قراءة في فكر عبد الجواد ياسين (1)

هل الدين* كله إلهي مطلق؟ هل ما يتديّن به الناس اليوم ينتمي إلى الإلهي المطلق، أم أن فيه إلهياً مطلقاً واجتماعياً نسبياً؟ وفي هذه الحالة ما مقدار الإلهي فيه وما مقدار الاجتماعي البشري؟ بعبارة مبسطة: مامقدار الثابت الذي لا يتغير لإنه إلهي، وما مقدار النسبي القابل للتغير الذي يتيح للإنسان أن يمارس حريته دون أن يخرج عن قاعدة الإيمان ومن قاعدة الدين؟ هذه الأسئلة الدقيقة ستكون محور رحلتنا الفكرية مع عبد الجواد ياسين، المفكر المصري المعاصر، مستكشفين آفاق نقد العقل الديني وإشكاليات التدين المعاصر، راصدين معالم التحول من التقليد المغلق إلى فهم أكثر عمقاً وحيوية للتجربة الروحية.

نقد العقل الدينيمن سبينوزا إلى ياسين

برز سبينوزا، الفيلسوف اليهودي الهولندي، كأحد رواد النقد العقلاني للفكر الديني في عصر التنوير. حيث قدم قراءة جديدة  للنصوص المقدسة ممثلة بالتوراة، مستخدماً أدوات العقل الفلسفي لتفكيك التأويلات التقليدية، مؤكداً على أن النصوص المقدسة تحمل بصمات السياق التاريخي والثقافي البشري. يستكمل عبد الجواد ياسين هذا المشروع النقدي، مقدماً قراءة معاصرة تكشف التداخل المعقد بين المطلق الإلهي والنسبي الإجتماعي، وداعياً إلى تحرير الفكر الديني من قيود الجمود والإنطلاق به نحو فضاءات الإبداع والتحرر.

في المنهج: النقد لا يعني نفي الإيمان

يتميز منهج عبد الجواد ياسين في نقد العقل الديني بأنه ينطلق من موقف إيماني عميق، يؤمن بالله والأخلاق الكلية كجوهر للدين. لكنه يمارس نقداً منهجياً صارماً للتدين التاريخي وتجلياته المؤسسية والفكرية. فهو يميز بدقة بين المطلق الإلهي المتمثل في جوهر الدين، والنسبي البشري المتجلي في الممارسات والتفسيرات التاريخية. هذا التمييز المنهجي الدقيق يمكّنه من نقد أشكال التدين دون المساس بجوهر الإيمان، ويتيح له تفكيك البنى المعرفية للعقل الديني التقليدي مع الحفاظ على القيم الروحية والأخلاقية الأصيلة.

التفريق المفهومي: الدين، التدين والديانة

 يميز ياسين بدقة، منذ البداية، بين ثلاثة مفاهيم جوهرية: 

الدين هو المطلق الإلهي النازل من عالم متعال، مصدره الوحي الصافي المنزه عن التاريخ والبشر. وهو ثابت أزلي لا يتغير، يتمثل في ثنائية الله والأخلاق.

التدين يمثل الممارسة البشرية للدين داخل السياق الاجتماعي والتاريخي، حيث تتشكل التجربة الدينية عبر تفاعل الإنسان مع النص المقدس، ما يخلق تنوعاً وتعدداً في الفهم والتطبيق.

الديانة هي البنية النظامية التي تتشكل تاريخياً، وتشمل المؤسسات والطقوس والتفسيرات المختلفة التي ينتجها المجتمع حول الدين.

رؤيتان متقابلتان: العقل الديني والعقل الإجتماعي

يرصد ياسين صراعاً معرفياً عميقاً بين رؤيتين متناقضتين للدين:

العقل الديني التقليدي الذي يتشبث برؤية مطلقة،  إذ يعتبر الدين وحياً إلهياً كاملاً لا يشوبه أي عنصر بشري. فكل تفاصيل العقيدة والتشريع والطقوس – بما في ذلك الأحكام الفرعية – تُنسب مباشرة إلى الله، لتصبح بذلك خارج نطاق النقاش أو التغيير.

في المقابل، يقدم العقل الاجتماعي – ممثلاً برؤية كونت – الدين كظاهرة اجتماعية محضة. وهو يرى أن الدين مجرد اختراع بشري يعكس حاجات المجتمع وتطوراته، وأن العلم سيحل تدريجياً محل الدين في تفسير أسئلة الوجود والكون.

إشكالية العقل الاجتماعي: سؤال الإيمان

يواجه العقل الاجتماعي إشكالية عميقة عندما يتعلق الأمر بتجربة الإيمان. فالإيمان قضية ذاتية بامتياز، لا تخضع للبرهان المنطقي أو التحليل الموضوعي. وهو يستمد قوته من خصوصيته الفردية التي تعصى على التنميط والتحليل الاجتماعي. إنه فضاء روحي مقدس لا تستطيع المناهج الاجتماعية التقليدية الولوج إليه أو فك شفرته. ولذلك، عندما يُحاول هذا العقل اختراق التجربة الدينية الفردية، يصطدم بحائط منيع من الحرية الروحية. وهو ما يجعل الإيمان – الذي لا يحتاج لدليل- تجربة لا يمكن لأحد اقتحامها أو تفكيكها أو إنكارها.

معضلات العقل الديني: التطور والتنوع

غير أن العقل الديني التقليدي  يواجه – هو الآخر- معضلتين جوهريتين تهزان أركان فهمه المطلق للدين:

معضلة التطور

يتجلى التحدي الأكبر للعقل الديني في حقيقة أن الدين، رغم احتوائه على عناصر مطلقة، يتضمن أيضاً بعداً اجتماعياً خاضعاً لقانون التطور. ومن أبرز مظاهر هذا البعد الاجتماعي التشريعات التي تمثل بطبيعتها قوانين تتأثر بالسياقات الزمانية والمكانية. إن ورود هذه التشريعات في نص ديني لا ينزع عنها خاصيتها الجوهرية، وهي قابليتها للتغير والتطور. وهكذا، فإن إصرار العقل الديني على ثبات التشريعات يضعه في مواجهة خاسرة مع قانون طبيعي لا يمكن تجاوزه، وهو قانون التطور. ينطبق هذا القانون على كل ما هو اجتماعي داخل النص الديني، ولا يخرج عن هذا إلا المطلق الإلهي والأخلاق الكلية التي تمثل جوهر الدين.

معضلة التنوع:

التحدي الثاني يكمن في التعددية الدينية الواسعة، التي تكشف حقيقة جوهرية مفادها أن النص الديني ليس بأكمله مطلقاً، بل إنه يتضمن شقاً نسبياً يراعي التباينات الإنسانية، إذ كيف نفسر:

– التعدد بين الأديان (اليهودية، المسيحية، الإسلام)

– التنوع داخل الدين الواحد (المذاهب والتيارات)

– الاختلافات الفردية في فهم الدين وفي ممارسته

إن التنوع الثقافي والاجتماعي بين البشر – بما يشمله من لغات وعادات وبيئات – يمثل حقيقة كونية تعكس غنى التجربة الإنسانية وتعقيدها. هذا التنوع المشاهد حتى ضمن الزمن الواحد يثير سؤالاً جوهرياً حول إمكانية خضوعه لنص ثابت. فالثقافات تختلف في نظرتها للحياة وتنظيمها للمجتمعات، الأمر الذي يحتم على النصوص الدينية التحلي بالمرونة للتكيف مع مقتضيات هذا التنوع. ومن هنا، فإن كل ما هو ثقافي واجتماعي داخل النص الديني لا يمكن إلا أن يكون نسبياً ومتشكلاً وفق سياقات ثقافية واجتماعية محددة. وحدها القيم المطلقة – الله والأخلاق الكلية – تظل ثابتة، لأنها تمثل الجوهر الذي يسمو فوق هذه الاختلافات.

هاتان المعضلتان تضعان العقل الديني أمام مأزق معرفي عميق، ما يستوجب عليه عليه مراجعة فهمه التقليدي للنص والممارسة الدينية.

جوهر الدينالله والأخلاق الأصيلة

بهذا، يخلص عبد الجواد ياسين إلى رؤية جوهرية تحدد مضمون الدين في بعدين أساسيين لا يخضعان للتغيير أو التأويل:

الإيمان بالله: وهو حقيقة ثابتة مطلقة، لا يمكن زحزحتها أو المساس بجوهرها. إنه الرابط الروحي الأزلي بين الإنسان والخالق، الذي يتجاوز كل التفسيرات والتأويلات البشرية.

الأخلاق الفطرية الكلية: وهي الأخلاق الأصيلة التي خلقها الله في الإنسان بشكل فطري ونهائي. إنها القيم الإنسانية العليا التي تشكل البوصلة الأخلاقية للوجود، والتي لا تتغير بتغير الزمان والمكان.

أما ما عداهما من تشريعات وطقوس وتفسيرات لاهوتية، فهو ينتمي إلى مجال “التدين” ويخضع لقوانين التطور الاجتماعي، وليس جزءاً من جوهر الدين المطلق. يؤكد ياسين أن فهم هذا التمييز أمر بالغ الأهمية، إذ يحرر الدين من قيود الفهم الضيق، ويعيده إلى روحه الأصيلة: علاقة روحية سامية بين الإنسان وخالقه، مؤسسة على الإيمان والأخلاق العليا.

خلاصةنحو فهم أكثر عمقاً للدين

يدعو عبد الجواد ياسين إلى قراءة نقدية جذرية للتراث الديني، تتجاوز الفهم التقليدي وتؤسس لمنهج تحرري في التعاطي مع الظاهرة الدينية. جوهر هذه الرؤية يكمن في:

– التمييز الدقيق بين الثابت والمتغير في الدين

– تحرير الروح الإنسانية من قيود التدين

– استعادة الجوهر الروحي للدين المتمثل في الإيمان والأخلاق العليا

لا بد من التنبيه إلى أن هذا المشروع النقدي ليس هدفه هدم الدين، بل إعادته إلى نقائه الأصلي. فالدين – من منظور ياسين – هو فضاء للتسامي الروحي والأخلاقي، وليس أداة للقمع الفكري أو التكفير.

______________

* الدين في السياق التوحيدي العام (أي عند المسلمين، المسيحيين واليهود)

** ­على سبيل المثال تغيرت الأحكام المتعلقة بالرق في المجتمعات الإسلامية، حيث انتقلت من تنظيم العلاقة بين السيد والعبد في النصوص الفقهية إلى تحريم الرق تماماً في العصر الحديث. مثال آخر هو تطور الأحكام المتعلقة بطرق التعامل المالي، حيث كانت المعاملات في العصور القديمة تعتمد على المقايضة والنقد المعدني، بينما ظهرت أحكام جديدة مع انتشار العمات الورقية والتعاملات المصرفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *