تخطى إلى المحتوى

صيدا: حين تبتلع السيارة روح المدينة

المشي: فطرة إنسانية وتحدٍ حضري

البشر مصمّمون للمشي، فمنذ فجر التاريخ كانت أقدامنا وسيلتنا الأولى للتنقل واستكشاف العالم من حولنا. هذه الحقيقة البسيطة تضعنا أمام تحد جوهري في تصميم مدننا المعاصرة: كيف نعيد للمشي مكانته الطبيعية في نسيج حياتنا الحضرية، ونخلق بيئات عمرانية تحترم فطرتنا الإنسانية وتعزز صحتنا وتواصلنا الاجتماعي؟

تحوّلات المدينة: من واحة للمشاة إلى ساحة للسيارات

وخلال تاريخنا الطويل  شيّدنا مدننا ومستوطناتنا على إيقاع أقدامنا، متناغمة مع حركتنا الطبيعية.  مدناً كانت الشوارع والأزقة فيها تنبض بالحياة، تعج بالمارة، وتزدهر بالتفاعلات الإنسانية. غير أن التحولات الديموغرافية، وتسارع عجلة التصنيع والنمو الحضري، كل ذلك بدّل معالم المدن، وبدأت السيارات تزحف رويداً رويداً، لتحتل في النهاية عرش التخطيط الحضري.

لبنان: نموذج صارخ لهيمنة السيارة 

في لبنان، تتجلى هذه الظاهرة بصورة صارخة. فمدننا العريقة، التي طالما كانت واحات للمشاة 

ومسارح للحياة الاجتماعية النابضة، استحالت إلى ساحات وقوف ضخمة وطرق سريعة متشعبة. لم تعد السيارات مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت سيدة المشهد الحضري بلا منازع. فها هي تجتاح الشوارع الضيقة، وتقتحم الأزقة التاريخية، بل وتتجرأ على احتلال الأرصفة، آخر معاقل المشاة.

صيدا: مدينة في قبضة الطرق السريعة

وفي قلب هذا المشهد، تقف صيدا، المدينة الساحلية العريقة، كشاهد حي على هذا التحول المأساوي. وعلى الرغم من ضآلة مساحتها النسبية البالغة 7.8 كلم مربع ، مع عرض لا يزيد متوسطه على كيلومتر واحد ، إلا أن المدينة تئن تحت وطأة هيمنة السيارات، إذ يخترق جسدها الرقيق طريقان سريعان كالسهام:

الأول، يمتد على طول ساحلها الخلاب، كحاجز حديدي يفصلها عن عناق البحر الذي طالما احتضنها. والثاني، يشق صدرها من الداخل، شاطراً طولها الممشوق  إلى نصفين متباعدين، كأنما يريد أن يمزق نسيجها الاجتماعي والعمراني.

شريان المدينة المخنوق: شارع رياض الصلح

وبين هذين الطريقين، يمتد شارع رياض الصلح، شريان المدينة التجاري، هذا الشارع الهام تكتنفه مشكلات جمة  تحول بينه وبين دوره  كمسرح للحياة اليومية ومركز للحركة الإقتصادية. شارع المدينة الرئيسي هذا  تقطعه عقدة مرورية أطلق عليها “ساحة النجمة”، تتفرع منها شوارع عدة. لقد  كان من المفترض أن تكون هذه النقطة قلب المدينة النابض، غير أنها استحالت إلى مجرد مستديرة جاثمة كصخرة فوق صدرها، دورها منحصر  في تنظيم حركة السيارات فحسب.

غياب الساحات العامة: جرح عميق في قلب صيدا

وما يزيد الطين بِلّة، افتقار صيدا إلى ساحة عامة حقيقية تليق بتاريخها وأهميتها. فالساحات العامة ليست مجرد فراغات في النسيج العمراني، بل هي قلوب نابضة للمدن، تعزز التماسك الاجتماعي، وتوفر منصات للتعبير الثقافي والسياسي، وتساهم في تحسين جودة الحياة الحضرية. غياب مثل هذه الساحات في صيدا يعمق جراحها ويحرم سكانها من فضاء حيوي للتنفس والتواصل.

الآثار العميقة لهيمنة السيارات

إن هذه الهيمنة الطاغية للسيارة على المشهد الحضري في صيدا ليست مجرد مشكلة مرورية عابرة. بل هي أزمة عميقة تمس جوهر الحياة في المدينة. فهي تقوّض الأسس الاقتصادية للتجارة المحلية، إذ تحول دون تدفق المشاة في الشوارع التجارية. كما أنها تقطع أوصال النسيج الاجتماعي، بتقليصها فرص اللقاءات العفوية والتفاعلات اليومية بين السكان. ناهيك عن آثارها الصحية الوخيمة، من زيادة التلوث إلى تقليص فرص النشاط البدني اليومي.

نحو مستقبل أفضل: استعادة صيدا للمشاة

إن تحول صيدا، كغيرها من المدن اللبنانية، إلى مدينة  للسيارات وليس للبشر، ليس قدراً محتوماً، بل هو تحدٍ يمكن مواجهته وتجاوزه. فالمدينة الصديقة للمشاة ليست ترفاً، بل هي ضرورة حيوية لاستعادة روح المكان وإعادة الحياة إلى شوارعنا وأزقتنا.

في الحلقة القادمة، سنبحر في عالم الإمكانيات، مستكشفين الحلول الخلاقة والمبتكرة التي يمكن أن تعيد لصيدا روحها وتحولها إلى واحة حضرية صديقة للمشاة، مدينة تحتضن تراثها وتتطلع نحو المستقبل، مدينة يتناغم فيها خفق نعال المشاة مع همهمات البحر، وتعود فيها الحياة إلى نبضها الطبيعي الجميل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *