
في مشهد صادم على مسرح السياسة الدولية، تجلى قبل أيام منظر يثير الغثيان ويزرع الشك في جدية تطبيق العدالة في هذا العالم. فبعد أشهر عشرة من القتل الذي حصد آلاف الأرواح كما يحصد الفلاح سنابل القمح، ومن الدم الذي روى أرضًا عطشى للحرية، وأمام حشد من صناع القرار في قلب ما يسمى العالم الحر ، قام الجلاد خطيباً. وبدلاً من أن يواجه بالإدانة والرفض، استقبل بحفاوة وترحيب كأنه بطل عائد من مهمة إنقاذ البشرية. صدح التصفيق في القاعة، مكافأة لمن أشعل نيران الحرب وأطفأ أرواح الأبرياء، في مفارقة تكشف زيف القيم وازدواجية المعايير.
في تلك القاعة المهيبة، هناك، حيث يُفترض أن تُصاغ القوانين وتُحمى الحقوق، تجمّع أولئك الذين يدّعون الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان للإشادة بمن يرتكب المجازر دون رحمة ضد مدنيين عزل، وانبروا لتكريم من داس على كل القيم التي يعلنون حمايتها. هذا المشهد المقزز يكشف عن عمق الهوة بين الشعارات البراقة والحقائق المرة.
ومع كل تصفيقة دّوت في تلك القاعة، كانت قطرة دم من طفل بريء تسقط، وشمعة أمل في قلب أم ثكلى تنطفئ. مع كل هتاف علا، كانت تُدفن أحلام شعب يتوق للحرية تحت أنقاض المنازل المهدمة. هل أصبح العالم حقاً مسرحاً عبثياً، يُكرَّم فيه القتلة ويُعاقب الضحايا؟ وهل باتت الكلمات الرنانة عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية مجرد ستار يخفي وراءه وجه القبح الحقيقي لعالم تحكمه قوانين الغاب؟
غير أن هذا المشهد لم يكن في الحقيقة مجرد لحظة عابرة في السياسة الدولية، بل كان تجسيدًا صارخًا لازدواجية المعايير التي تحكم عالمنا اليوم. عالم يدّعي الحرية لكنه يمارس الاستبداد، يرفع شعارات السلام بينما يغذي الحروب، يتشدق بحقوق الإنسان فيما هو يغض الطرف عن أبشع الانتهاكات.
ولم يكن التصفيق مجرد حركات بالأكفّ، بل كان تواطؤا صارخًا مع الظلم، وإقراراً ضمنيا بأن العدالة ليست سوى لعبة بيد الأقوياء. كما لم يكن مجرد صوت مدوٍ، بل لحظة سقوط مدوية للقيم، لحظة تخلى فيها أدعياء حماية الحرية عن مبادئهم، وباعوا أرواحهم بثمن بخس في سوق النخاسة السياسية. وكما أنه إهانة لضحايا الحرب والاحتلال، فهو أيضًا خيانة لكل القيم الإنسانية النبيلة التي ناضلت البشرية لقرون من أجل ترسيخها. إنه لحظة عار ستظل وصمة في جبين الإنسانية، تذكرنا دائمًا بأن الطريق نحو العدالة والحرية لا يزال طويلاً وشاقًا.
وهذا التصفيق إذ ينمُّ عن صفاقة ما بعدها صفاقة، فإنه يُخفي حقيقة مرة وهي أن كياناً صغيراً يتحكم بعملاق، وقزماً شريراً يقود جباراً. فكيف استطاعت أصابع خفية أن تحرك دمية بحجم جبل؟ أيّ سر هذا الذي جعل من الذيل رأسًا، ومن التابع متبوعًا؟ إنه سحر المال الأسود، وتعويذة النفوذ المتحكم بعصب المؤسسات. كلمات تُهمس في الآذان، ووعود تُقدم في الخفاء، وتهديدات تلوح في الأفق كسيف مسلط على الرقاب. فمتى سيتحرر المارد من سطوة القزم؟ متى سترتفع الأصوات الحرة معلنة انعتاق أمة من قبضة اللوبي المتغلغل في أعماقها ؟