الحيز العام هو ذلك الفضاء المشترك الذي يشكل روح المدينة وهويتها. في لبنان، يواجه هذا الحيز تحديًا خطيرًا يهدد النسيج الاجتماعي والتراث التاريخي للمدن. من الشمال إلى الجنوب، تعاني المدن اللبنانية من تدهور الفضاءات العامة تدهوراً متواصلاً يستشري في قلبها كداء عضال مهددًا جمالياتها وهويتها الفريدة. وتبرز صيدا، عاصمة الجنوب، كمثال صارخ على هذه الظاهرة المقلقة.
إن من يتأمل الاستخدام غير المعقلن للحيز العام في مدننا لا يسعه إلا وصفه بالجنون!
أرصفة محتلة: معركة المشاة اليومية
في شوارع صيدا، تتجلى مأساة الحيز العام بأقسى صورها. الأرصفة، تلك المساحات المخصصة لتنقل المواطنين بحريّة وأمان، تحولت إلى ساحات لمعارك صغيرة يخوضها المشاة يومياً في سبيل بلوغ غاياتهم. هنا تمتد بسطات الباعة كأخطبوط جائع، تلتهم مساحات المشاة بنهم لا يشبع. الخضار والفواكه، وأكداس الملابس المعروضة، تزحف على الرصيف بلا هوادة، تاركة للعابرين شريطاً ضيقاً لا يكاد يتسع لقدمين اثنتين. وهناك تقف السيارات في تحدٍ سافر لحق العابرين، محوّلة الرصيف إلى مرآب مجاني. يضطر المارة للنزول إلى الشارع، مخاطرين بحياتهم وسط زحمة السيارات المتدفقة. كبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة هم الأكثر تضرراً، إذ تتحول رحلة بسيطة في السوق إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر .
هذا الاحتلال اليومي للأرصفة لا يقتصر تأثيره على الحركة فحسب، بل يمتد ليطال الحياة الاجتماعية برمتها. فالأرصفة، في جوهرها، هي مساحات للتفاعل الاجتماعي، للقاء الجيران، لتبادل التحيات والأحاديث العابرة التي تنسج نسيج المجتمع. مع اختفاء هذه المساحات، تختفي معها فرص التواصل اليومي، وتتآكل الروابط الاجتماعية شيئاً فشيئاً.

الحرمان من الأخضر: مدينة بلا رئتين
يفُترض في مدينة اشتهرت منذ زمن غير بعيد، ببساتينها المثمرة، أن تكون واحة خضراء على ساحل المتوسط، غير أننا نجد أنفسنا اليوم أمام ما يشبه صحراء إسمنتية قاحلة. الحدائق القليلة الموجودة تبدو كواحات مهجورة في صحراء الإهمال، تذوي فيها الأشجار وتتلاشى مساحات اللعب، تاركة الأطفال والعائلات بلا متنفس.
هذا الغياب شبه الكامل للمساحات الخضراء له تداعيات وخيمة على حياة السكان. فالأطفال، المحرومون من مساحات آمنة للعب والاستكشاف، يجدون أنفسهم حبيسي الشقق الضيقة أو معرضين لمخاطر الشوارع. أما كبار السن، المحرومون من مقاعد هادئة تحت ظلال الأشجار، فهم يفتقدون فرصاً ثمينة للاسترخاء والتواصل الاجتماعي.
على المستوى البيئي، يؤدي غياب المساحات الخضراء إلى ارتفاع درجات الحرارة في المدينة، خاصة في فصل الصيف، مما يزيد من استهلاك الطاقة للتبريد ويفاقم التلوث. كما أن غياب الأشجار يحرم المدينة من مصافي طبيعية للهواء، تاركاً سكانها عرضة لمستويات أعلى من التلوث.

لشاطئ المسلوب: طريق سريع يفصل المدينة عن بحرها
أما الشاطئ، ذلك الشريط الذهبي الممتد على طول سبعة كيلومترات، فقد تحول إلى رمز صارخ لسوء التخطيط وإهدار الموارد الطبيعية. أوتوستراد الجنوب البحري يقف اليوم كجدار إسمنتي، يفصل المدينة عن بحرها ويحرم أهلها من التواصل الطبيعي مع شاطئهم التاريخي.
الرصيف البحري، الذي كان من المفترض أن يكون متنفساً للمشاة ومساحة للتأمل والاسترخاء، تحول إلى ممر ضيق ، محصور بين هدير السيارات المسرعة وأمواج البحر الغاضبة. المشي على هذا الرصيف أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر وخصوصاً بالنسبة للأطفال، بدلاً من أن يكون نزهة ممتعة بمحاذاة شاطئ البحر.
وكأن هذا الحرمان لا يكفي، فالشاطئ نفسه يئن تحت وطأة الإهمال والتلوث. مياه الصرف الصحي تصب فيه بلا رادع، محولة إياه من كنز طبيعي إلى مصدر للتلوث والأمراض. الرمال التي كانت يوماً ملعباً للأطفال وملاذاً للعائلات، أصبحت اليوم مكباً للنفايات ومرتعاً للحشرات
من يقف خلف ستار الفوضى؟
في دهاليز السلطة ومتاهات المسؤولية، يضيع السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا التدهور المريع؟ البلدية، بلا شك، تتحمل عبئاً ثقيلاً من المسؤولية. فهي الجهة المنوطة بتنظيم الحيز العام وحمايته. لكن هل يكفي إلقاء اللوم على جهة واحدة؟ المواطن، ذلك العنصر الأساسي في معادلة المدينة، لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية. فمن يرمي النفايات في الشوارع؟ ومن يركن سيارته على الرصيف دون اكتراث لحقوق الآخرين؟ إنه المواطن عينه الذي يشكو من تدهور الحيز العام. ولا يمكننا تجاهل دور السلطة المركزية، التي غالباً ما تدير ظهرها لاحتياجات المدن اللبنانية، تاركة إياها تصارع أمواج المشاكل بموارد شحيحة وصلاحيات مقيدة.
الحياة في ظل حيز عام متداعٍ
ما يحدث في صيدا ليس مجرد تشويه للمشهد البصري، بل هو اعتداء صارخ على جودة حياة سكانها. كيف لطفل أن ينمو سليماً في مدينة تفتقر إلى المساحات الخضراء والملاعب الآمنة؟ كيف لكبار السن أن يتمتعوا بشيخوخة كريمة في شوارع تحولت إلى متاهات من العوائق والمخاطر؟
الحيز العام ليس ترفاً أو كمالية، بل هو حق أساسي وضرورة حيوية لصحة المجتمع النفسية والجسدية. فالمساحات المشتركة هي التي تنسج خيوط التواصل الاجتماعي، وتخلق الشعور بالانتماء والهوية المشتركة. في غيابها، تتفكك الروابط الاجتماعية، وتنمو بذور العزلة والاغتراب.
الاقتصاد في قفص الفوضى
قد يظن البعض أن الاستيلاء على الحيز العام يخدم الاقتصاد المحلي. لكن الحقيقة تكشف عن وجه مغاير تماماً. المدن التي تحترم حيزها العام وتحافظ عليه هي الأكثر جذباً للسياح والمستثمرين على حد سواء.
صيدا، بتاريخها العريق الضارب في أعماق التاريخ، وموقعها الاستراتيجي على ساحل المتوسط، كان يمكن أن تكون جوهرة سياحية تنافس أجمل مدن العالم. لكن الفوضى الحالية تنفر الزوار، وتقتل روح المدينة، وتحول دون استثمارات جادة قد تنعش الاقتصاد المحلي وتخلق فرص عمل لأبناء المدينة.
بذور الأمل في تربة الإهمال
رغم قتامة المشهد وثقل التحديات، إلا أن بصيص الأمل يبقى حياً، ينتظر من ينفخ فيه ليتحول إلى شعلة تنير درب المدينة. فبخطوات صغيرة وإرادة صلبة، يمكن لصيدا أن تستعيد ألقها وتعيد تشكيل حيزها العام.
لماذا لا تبدأ البلدية بحملة جريئة لتحرير الأرصفة، تعيد للمشاة حقهم المسلوب في التنقل بحرية وأمان؟ أو تقوم بتخصيص يوم في الأسبوع تغلق فيه بعض الشوارع أمام السيارات، لتتحول إلى مساحات نابضة بالحياة للمشاة والأنشطة الاجتماعية والثقافية؟ أو تقود مبادرة طموحة لتشجير الشوارع، تحول صيدا إلى واحة خضراء على ساحل المتوسط؟ أو تسعى لإنشاء شبكة من الحدائق الصغيرة في الأحياء، توفر لكل مواطن مساحة خضراء قريبة من منزله؟
خلاصة القول
في نهاية المطاف، تقف صيدا اليوم على مفترق طرق حاسم. فالحيز العام فيها، من أرصفة محتلة إلى مساحات خضراء مفقودة وشاطئ يعاني من إهمال وسوء إدارة يهددان جوهر الحياة المدنية. هذا التدهور لا يؤثر فقط على المشهد الجمالي للمدينة، بل يمتد تأثيره ليطال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لسكانها.
لكن الأمل يبقى قائماً. فبرؤية واضحة وعمل دؤوب، يمكن لصيدا أن تستعيد حيزها العام وتعيد بناء علاقتها مع بحرها وتاريخها. هذه المعركة من أجل استعادة الحيز العام ليست مجرد معركة من أجل مساحات فارغة، بل هي معركة من أجل روح المدينة وهويتها.