في زمنٍ تتهاوى فيه العملة الوطنية ويتصدر الدولار المشهد الاقتصادي، يجد المواطن اللبناني نفسه أمام تحديات جديدة، ليس أقلها شأناً التدقيق المبالغ فيه في أوراق العملة المتداولة. هذه القصة الواقعية تسلط الضوء على ظاهرة أصبحت مصدر إزعاج للكثيرين، وتثير التساؤلات حول مفهوم القيمة والثقة في التعاملات اليومية.
في صباح صيفي لاهب، حملتني قدماي إلى أحد محال بيع الحلويات الشهيرة في صيدا. دخلت المكان الأنيق والرائحة الزكية تملأ أرجاءه، موقظة شهيتي. تقدمت نحو الصندوق لدفع ثمن كيلو من البقلاوة، وفي يدي ورقة من فئة العشرين دولاراً، لأجد نفسي فجأة في قلب جدال غير متوقع.
نظرت الموظفة إلى الورقة كما لو كانت تفحص لوحة فنية نادرة. عيناها تدققان في كل زاوية، حتى توقفتا عند شق صغير، لا يكاد يُرى بالعين المجردة. “آسفة، لا يمكنني قبول هذه الورقة،” قالت بنبرة حاسمة. وقفت مذهولاً، أحاول استيعاب ما يحدث. هل حقاً تُرفض الورقة بسبب شق لا يتجاوز حجمه حبة سمسم؟ حاولت إقناعها بأن هذا الشق لا يقلل من قيمة العملة، مستحضراً في ذهني كل الحجج المنطقية. “إنها ورقة رقيقة،” قلت، “من الطبيعي أن تتعرض لمثل هذه الحالات مع التداول المستمر”. لكن محاولاتي باءت بالفشل.
غادرت المحل دون البقلاوة، وفي داخلي مزيج من الإحباط والأسى. وتساءلت: لماذا نعلّق أهمية كبيرة على المظهر الخارجي للعملة، متجاهلين قيمتها الحقيقية؟ فثمة حقيقة هامة تغفل عنها إدارة المحل الشهير ، وهي أن القيمة الحقيقية للعملة لا تكمن في الورقة نفسها، بل في ما تمثله من قوة شرائية. إنها رمز للثقة، مدعوم بضمان البنك المركزي.
فور مغادرتي محل الحلوى ، توجهت إلى محل لتبديل العملات، هناك قام الموظف بصرفها دون تردد، أدركت حينئذ أن المشكلة أعمق من مجرد ورقة نقدية. إنها تعكس حالة من عدم الثقة في المجتمع، وتضع عبئاً إضافياً على المواطن الذي يكافح أصلاً في ظل ظروف اقتصادية صعبة. وتساءلت: هل أصبحنا نقيس قيمة الأوراق النقدية بتلك التحولات الطفيفة التي تطرأ عليها نتيجة الاستخدام العادي؟ أليس من الأجدى أن نركز على بناء علاقات إنسانية قوية بدلاً من التدقيق المفرط في تفاصيل لا تغير من جوهر الأشياء؟ إن القيمة الحقيقية لا تكمن في المظهر الخارجي، سواء كان ذلك للأشخاص أو الأشياء أو حتى الأوراق النقدية. إنها تكمن في الجوهر، في الوظيفة التي نؤديها وتؤديها الأشياء.
غير أن التاجر الحكيم لا يرفض ورقة نقدية بسبب شق صغير لا يضيرها، وهو حريص بالمقابل على كسب ثقة زبائنه وولائهم. إنه يدرك أن الاعتبارات الاقتصادية والبيئية تؤيد استمرار تداول الأوراق النقدية رغم التغيرات الطفيفة، ما يقلل من تكاليف طباعة العملة ويساهم في الحفاظ على البيئة.
وهكذا، تحولت رحلة بسيطة لشراء البقلاوة إلى تأمل عميق في طبيعة القيمة والثقة في مجتمعنا. ربما، في المرة القادمة التي أرغب فيها في تناول الحلوى، سأفكر مرتين: ليس في حالة أوراقي النقدية، بل في محل الحلوى الذي سأقصده.
