تخطى إلى المحتوى

المسالك الضيقة في أرياف لبنان: تشخيص الأزمة وخارطة الحل

من زيارة إجتماعية إلى رحلة في متاهة العمران

الأسبوع الفائت، قصدتُ منزلَ صديقٍ لأداء واجبٍ اجتماعي. المنزلُ يقع ضمن امتدادٍ سكنيٍّ لبلدةٍ شوفيةٍ تتدلّى منحدراتُها فوق البحر. ما إن بلغتُ وجهتي حتى وجدتُ نفسي وسط طريقٍ ضيّقٍ مكتظٍّ بالمركبات المركونة على جانبيه، عبثًا حاولتُ البحثَ عن موضعٍ لركن مركبتي، حتى وقفتُ بعنائي على ممرٍّ ضيّقٍ للعرض يمتدّ أمامي مثل فمٍ رصاصيٍّ كأنه يدعوني همسًا: «تفضّل… أنا ملاذك الوحيد».

كان عرض المسلك المحصور بين سورين لا يتجاوزُ الثلاثةَ أمتار إلا قليلاً، بينما يمتدُّ طولهُ لنحوِ خمسين متراً. انتظرتُ بصبرٍ مرورَ سيارةٍ قادمةٍ من الاتجاهِ المقابل، قبلَ أن أتمكّنَ من المُضيِّ قُدُماً. ما أن بلغت نهاية المسلك الضيق حتى وجدتُ نفسي في طريقٍ مُتعرّجٍ، لا يتجاوزُ عرضه الأربعةَ أمتار في أفضلِ أحوالهِ، مُحاط بأسوارٍ عاليةٍ مغلقة على مبانٍ سكنيّة. تابعت سيري مسافة لا تزيد على مئتي متر حتى وجدتني قبالة عمارةٍ تسدُّ الطريقَ تماماً، طريقٌ غير نافذ!  عكست اتجاه السيارة بصعوبة، وعدتُ بها أدراجي، ثم ركنتُها على جانبِ الطريق في مكان بعيد عن منزل صاحبي، نزلت منها ومشيتُ نحو وجهتي وأنا أفكّرُ في فوضى العمرانِ التي تعتري هذه البقعةَ، والتي تُمثّلُ للأسفِ حالَ مُعظمِ أريافنا اللبنانية.

حق المرورعندما يتحول الاستثناء القانوني إلى قاعدة معيقة

علمت لاحقاً أنَّ المسلك السالف الذكر ملكيةٌ خاصةٌ، باعَ صاحبُها حقَّ المرورِ عليه لعدد وافر من العقارات المحرومة من اتصال مباشرٍ بالطريقِ العام. وحق المرور ظاهرة  تكمن جذورها في نص قانوني بسيط ظاهرياً، معقد في تداعياته وآثاره على النسيج العمراني. فالقانون يجيز الترخيص بالبناء على عقار مُحاط، شرط تأمين حق المرور عبر عقار مجاور متاخم لطريق عام. وما كان يفترض أن يكون استثناءً محدوداً، تحول مع الوقت إلى قاعدة سائدة وتجارة رائجة.

ويتجلى المشهد بصورة صادمة حين نرى مالكي العقارات المتاخمة للطرق العامة يقومون بتجزئة حقوق المرور وبيعها كأنها سلعة في سوق. فترى ممراً واحداً، لا يتجاوز عرضه الثلاثة أمتار، يتحول إلى شريان وحيد يغذي عشرات الشقق السكنية. وكأنه تحول إلى “بورصة عقارية” يتم فيها تداول “أسهم المرور” بأسعار متصاعدة، دون أي اعتبار للطاقة الاستيعابية لهذا الممر أو لجودة الحياة التي يفترض أن يؤمنها للسكان. هذا الوضع أنتج واقعاً مشوهاً: فالعقارات الداخلية المحاطة، بدلاً من أن تُربط بالطريق العام عبر شريان تتوفر فيه المواصفات القياسية مزود ببنية تحتية تلبي احتياجات السكان، تحولت إلى مجمعات سكنية مكتظة تعتمد على “خيط رفيع” للتواصل مع العالم الخارجي.

ظاهرة المسالك الخانقة في القرى اللبنانية

لا تنحصر أزمة المسالك الضيقة في مسألة “حق المرور” المنظم قانونياً، بل تمتد لتشمل “طرقات الأمر الواقع” التي نشأت في ظروف استثنائية. فالمسالك العشوائية التي قامت قوى الأمر الواقع بفتحها خلال الحرب الأهلية، ودروب المشاة  التي توسعت بحكم الضرورة لتستوعب مرور المركبات. وفي حالات أخرى، الطرقات التي لجأ الأهالي إلى شقها بالتراضي فيما بينهم،  جميع تلك المسارات يقع تحت مسمى “الأمر الواقع”، وجميعها يفتقر إلى المعايير الهندسية الأساسية، خاصة لجهة العرض الذي يكاد لا يكفي لمرور مركبتين في اتجاهين متعاكسين.

وليست ظاهرة المسالك الضيقة حالة معزولة تقتصر على منطقة دون أخرى، بل هي نمط سائد في النسيج العمراني اللبناني، يمتد من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن سفوح جبل لبنان الغربية إلى سلسلته الشرقية. إنها قصة متكررة في كل بلدة وقرية، حيث تتحول هذه المسالك إلى شرايين مسدودة تعجز عن تغذية النسيج العمراني المتنامي بشكل عشوائي.

وكما أن الشرايين المسدودة في جسم الإنسان تؤدي حتماً إلى قصور في أداء الأعضاء التي تغذيها، فإن هذه الممرات الضيقة تُحدث اختلالاً عميقاً في حياة التجمعات السكنية. فالطريق ليست مجرد مسار للتنقل، بل هي شريان حيوي يتدفق عبره نبض الحياة اليومية. فخلال فترة التسيب وغياب القانون ازدادت المباني ارتفاعاً وتضاعفت الكثافة السكانية، بينما ظلت هذه الشرايين العمرانية على ضيقها، عاجزة عن استيعاب النمو المتسارع. إنها معادلة غير متوازنة: كتل إسمنتية ضخمة تعتمد في حياتها اليومية على ممرات لا يتجاوز عرضها الأمتار الثلاثة أو الأربعة، كمن يحاول تغذية فيل عبر أنبوب شعري.

معاناة السكان في متاهات الطرق الضيقة

في مشهد يومي متكرر، تتجلى مأساة هذا العجز العمراني بأوضح صورها. فها هي السيارات تصطف في طوابير طويلة عند طرفي الممر الوحيد، تنتظر بصبر نافد مرور السيارة القادمة من الاتجاه المقابل. يتكرر هذا المشهد مرات ومرات في اليوم الواحد، خاصة في ساعات الذروة حين يعود السكان من أعمالهم. وكأن المشهد يتحول إلى مسرحية يومية بطلها الانتظار وجوقتها أصوات أبواق السيارات المحتجة.

أما مشكلة ركن السيارات فهي قصة أخرى من قصص المعاناة اليومية. فالأبنية السكنية التي تتكدس على جانبي هذه الممرات غالباً ما تفتقر إلى مواقف كافية لسياراتها. لذا، يضطر السكان إلى ركن سياراتهم على جوانب الطريق الضيق أصلاً، ما يزيد الطين بلة. في بعض الأحيان، يضطرون للمشي مسافات طويلة للوصول إلى منازلهم بعد ركن سياراتهم في أماكن بعيدة، وفي أيام المطر، تتحول هذه الرحلة القصيرة إلى مغامرة غير محمودة العواقب.

وتتجلى خطورة الوضع بشكل أكثر دراماتيكية في حالات الطوارئ: سيارات الإسعاف التي قد تتأخر في الوصول إلى حالة طارئة، شاحنات الإطفاء التي قد تعجز عن الوصول إلى حريق. وحتى سيارات نقل الأثاث تتحول رحلتها القصيرة إلى معاناة طويلة.

توسيع المسالكرؤية تنظيمية وحلول عملية

إن معالجة هذا الواقع المعقد تتطلب مقاربة مرنة ومتعددة المستويات. فالخطوة الأولى تكمن في إعادة تخطيط طرق الأمر الواقع وفق معايير هندسية سليمة لتضمن عرضاً كافياً لحركة المرور، ثم تشريعها. وحين تصطدم عملية التوسيع بالمباني العشوائية المتجاوزة لحدود التراجعات القانونية، على السلطات المحلية تطوير حلول موضعية تراعي خصوصية كل حالة، حتى لو كانت تلك الحلول جذرية.

من الحلول العملية المتاحة، يمكن للبلديات استملاك الفضلات العقارية غير الصالحة للبناء على جانبي الطرق العامة، وتحويلها إلى مواقف عمومية بدلاً من تركها عرضة للإشغال غير القانوني. كما يمكنها العمل على توسيع الطرق بالتراضي مع الملاك الذين يدركون المنفعة العامة والخاصة التي ستعود عليهم من هذه التوسعة.

إن نجاح هذه المقاربة يتطلب تعاوناً وثيقاً بين البلديات ومديرية التنظيم المدني والأهالي. فحين تقوم السلطات المحلية بمسح شامل للمواضع المختنقة ووضع خطة عمل لمعالجتها، مع إشراك السكان المحليين في هذه العملية، تزداد فرص نجاح الحلول المقترحة. فوعي السكان بخطورة الأزمة ومشاركتهم في صياغة الحلول يشكل عاملاً حاسماً في تجاوزها.

الحلول المتكاملةتخطيط الطرق وتعديل القوانين

يبرز تخطيط الطرق العامة كأداة تنظيمية فعالة تضع في يد البلديات مفتاحاً ذهبياً لتصحيح مسار النمو العمراني. هذه الأداة تمكّن السلطات المحلية، تحت إشراف مديرية التنظيم المدني، من رسم خريطة مستقبلية لشبكة طرق متكاملة تستبق التوسع العمراني وتوجهه. فبدلاً من الانتظار حتى تتشكل المشكلة، يمكن للبلديات أن تبادر إلى تخطيط محاور طرق رئيسية وفرعية تتناسب مع الكثافة السكانية المتوقعة، وتضمن انسيابية الحركة المرورية. هذا التخطيط الاستباقي يضع معايير قياسية لعرض الطرق، ما يمنع نشوء “عنق الزجاجة” الذي نراه اليوم في أحيائنا السكنية.

أما على الصعيد التشريعي، فثمة حاجة ملحة لإجراء تعديلات جوهرية على قانوني البناء وإفراز العقارات. هذه التعديلات يجب أن تعيد النظر جذرياً في شروط الوصول إلى العقار، بحيث لا يكتفى بتأمين حق المرور الشكلي، بل يشترط معايير نوعية تضمن كفاءة الوصول أيضاً. كما يجب أن تفرض هذه التعديلات معايير صارمة لمواقف السيارات، بحيث يلتزم كل مشروع سكني بتأمين عدد كافٍ من المواقف داخل العقار يتناسب مع عدد الوحدات السكنية. وربما، إلزام المشاريع السكنية الكبرى بإنشاء مرآب جماعي يخدم الحي بأكمله، ما يخفف الضغط على الطرقات ويحسن جودة الحياة للسكان.

إعادة تشكيل الأراضيالحلّ المنسي في التشريع اللبناني

في خضم هذه الأزمة العمرانية المستفحلة، يبرز حل جذري طالما تم تجاهله في التخطيط العمراني اللبناني: ضم الأراضي وإعادة فرزها. هذه الأداة التخطيطية، التي أثبتت نجاحها في العديد من دول العالم. تعمل هذه الآلية كأنها “إعادة تشكيل” للنسيج العمراني: فبدلاً من الاكتفاء بمعالجة أعراض المشكلة، تقوم بإعادة تصميم المنطقة بأكملها. بواسطاتها يتم تجميع العقارات المتجاورة، وإعادة تخطيطها بشكل يضمن شبكة طرق متناسقة، ثم إعادة توزيع الملكيات على أصحابها بشكل عادل، مع اقتطاع نسبة محددة من كل عقار لصالح الطرق والمرافق العامة. هذا الحل، رغم تحدياته التنفيذية، يمثل المخرج الوحيد من متاهة المسالك الضيقة التي تخنق مدننا وقرانا. فهو يحول المنطقة من نسيج عمراني متشابك ومختنق إلى نسيج حيوي متناسق، تتدفق فيه الحياة بسلاسة عبر شبكة طرق مدروسة ومتكاملة.

 دور المؤسساتمسؤولية البلديات والتنظيم المدني في إنقاذ النسيج العمراني

تقع على عاتق البلديات ومديرية التنظيم المدني مسؤولية تاريخية في معالجة هذا التشوه العمراني. فهذه المؤسسات، بما تملكه من صلاحيات قانونية وقدرات تنفيذية، هي المؤهلة لقيادة عملية التحول نحو تخطيط عمراني سليم. لكن هذا الدور يبقى معطلاً في ظل غياب الإرادة السياسية والرؤية التخطيطية الشاملة.

فالبلديات، بدلاً من الاكتفاء بدور المصادقة على تراخيص البناء التي تكرس واقع الممرات الضيقة، عليها أن تتبنى دوراً استباقياً. يمكنها، بالتعاون مع مديرية التنظيم المدني، إطلاق مشاريع نموذجية لضم الأراضي وإعادة فرزها في المناطق التي لم يستفحل فيها البناء بعد. كما يمكنها وضع مخططات توجيهية تحدد مسارات الطرق المستقبلية وتمنع الترخيص بأي بناء يتعارض معها.

أما مديرية التنظيم المدني، فدورها محوري في تحديث الأنظمة والقوانين التي تسمح بهذا الواقع المشوه. عليها أن تضع معايير صارمة لحق المرور، تربط عرض الممر بعدد الوحدات السكنية التي سيخدمها، وتمنع استخدام ممر واحد لخدمة عدد لا متناهٍ من العقارات.

هذا التحول في دور المؤسسات يتطلب إرادة سياسية وشجاعة في اتخاذ القرار. فالحلول موجودة، والأدوات القانونية متوفرة، لكن ما ينقصنا هو القرار الجريء بالبدء في تطبيقها، حتى لا نورث أجيال المستقبل مدناً وقرى مختنقة بممراتها الضيقة وطرقها المسدودة.

 نحو مستقبل عمراني مستدامرؤية متكاملة

إن أزمة المسالك الضيقة التي تخنق مدننا وقرانا اليوم ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة سياسات وممارسات يمكن تصحيحها. فالحلول المطروحة، من ضم وفرز للأراضي، وتخطيط استباقي للطرق، وتعديل للتشريعات، تشكل معاً منظومة متكاملة قادرة على إحداث تحول جذري في واقعنا العمراني.

لكن هذا التحول لن يتحقق دون إرادة سياسية صلبة وتعاون وثيق بين كافة الجهات المعنية: البلديات، مديرية التنظيم المدني، المشرعين، وأصحاب العقارات. فالرهان اليوم هو على قدرتنا على تجاوز المصالح الضيقة والنظر إلى المصلحة العامة التي تضمن لأجيال المستقبل مدناً وقرى تنبض بالحياة، لا تختنق بممراتها الضيقة.

إن الطريق إلى عمران مستدام قد يكون طويلاً وشاقاً، لكن الخطوة الأولى تبدأ باعتراف صريح بالمشكلة وإرادة حقيقية للتغيير. فلنبدأ اليوم بتحويل هذه الرؤية إلى واقع، قبل أن تتحول مدننا وقرانا إلى متاهات لا مخرج منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *