في خضم الصراع اللاهب الدائر في غزة ولبنان، ترسم دولة الاحتلال معالم سياستها بلغة القوة والتهديد. صوت يتردد في أروقة الكيان يعلن بثقة متعالية: “لا يوجد مكان في الشرق الأوسط لن تصل إليه ذراعنا الطويلة”، معلناً بوضوح عن استراتيجية توسعية تتجاوز الحدود الجغرافية والقانونية. هذه المقولة – التي تنم عن غطرسة واضحة – تأتي بعد سلسلة من “النجاحات” العسكرية التي حققتها إسرائيل على جبهات متعددة، حيث باتت تتصرف وكأنها قوة لا يمكن ردعها أو محاسبتها. تهديد يكشف عن منطق استعلائي يرى في القوة العسكرية مبرراً للتدخل وارتكاب الانتهاكات..
انتهاكات متعمدة: حرب خارج القانون
تنتهك آلة الحرب الإسرائيلية في عدوانها كل المواثيق والأعراف، يغدو القصف العشوائي منهجاً، والتجويع سلاحاً، والمستشفيات والمدارس أهدافاً عسكرية. بينما ينزوي القانون الدولي كشاهد صامت على فظائع تتجاوز حدود الإنسانية. فاتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها التي يفترض أن تنتصب كسياج أخلاقي يحمي الضعفاء، حاملة في طياتها مبادئ سامية تتجلى في التمييز بين المقاتل والمدني، وتحديد معايير دقيقة للتناسب والضرورة العسكرية، تتحول إلى مجرد حبر على ورق. تنتهك إسرائيل هذه القوانين بوقاحة مطلقة، مستخدمة ترسانتها العسكرية المتطورة لاستهداف مجتمعات محاصرة، محطمة بذلك كل القيود التي وضعها المجتمع الدولي لحماية الإنسانية. وكأن القانون الدولي – بكل مواثيقه واتفاقياته – يتحول إلى مجرد وهم بينما تعربد آلة الحرب دون رادع.
عدم التكافؤ: العنف الممنهج ضد المقاومة
في معادلة الصراع الحالي، يتجلى عدم التكافؤ بوضوح صارخ. من جهة، دولة تمتلك ترسانة عسكرية متطورة تشمل طائرات حربية متقدمة، وصواريخ دقيقة، ودبابات، وحتى ترسانة أسلحة نووية. ومن الجهة الأخرى، مقاومة شعبية تعتمد على أسلحة بسيطة وإرادة صلبة. يؤكد القانون الدولي على أن عدم التكافؤ مبرر قوي لعدم استخدام القوة المفرطة. فاتفاقية لاهاي وبروتوكولات جنيف تحظر إيقاع معاناة غير متناسبة بالمدنيين، وتشترط التكافؤ بين الهدف العسكري والوسائل المستخدمة. لكن واقع العدوان يعلن عكس ذلك: قتل جماعي، تدمير شامل، وعقاب جماعي يتجاوز كل المعايير الإنسانية.
المفارقة المؤلمة: من الضحية إلى الجلاد
بعد قرون من المعاناة التي عاشوها في أوروبا، اكتسب اليهود تعاطف العالم الغربي واستثمروه محولين معاناتهم إلى مشروع استعماري. انغمست أوروبا في شعور عقدة الذنب متغاضية عن جريمة اقتلاع شعب كامل من أرضه استناداً إلى روايات توراتية ومزاعم تاريخية زائفة . تحول اليهود من ضحايا الأمس إلى جلادين، مارسوا بحق الفلسطينيين الممارسات التي عانوا منها: التنكيل، التهجير، مصادرة الأرض وسلب الهوية. كل ذلك مثّل انقلاباً صادماً في المفاهيم الأخلاقية: من كانوا يستجيرون بالعالم أصبحوا يمارسون القمع بأبشع صوره. وقد برع اليهود في توظيف السرد التاريخي، مستخدمين ورقة “معاداة السامية” كدرع يحمي كل انتهاكاتهم.
دروس التاريخ: زوال الإمبراطوريات
في دروس التاريخ، تتجلى حقيقة صارخة: أن القوى المتغطرسة مهما بلغت من عظمة، فإنها محكومة بقانون الأفول. سقطت الإمبراطورية الرومانية – التي بسطت هيمنتها على العالم القديم – وخلّفت وراءها أطلالاً شاهدة على زوالها. وانهارت الإمبراطورية المغولية التي أرعبت آسيا وأوروبا على يد جنكيز خان رغم قوتها الساحقة. وانتهى نابليون بونابرت، الذي غزا معظم أوروبا، منفياً في جزيرة نائية. أما الإمبراطورية البريطانية التي كانت “لا تغيب عنها الشمس” فقد تقلصت إلى دولة صغيرة بعد عقود من الاستعمار. يعلمنا التاريخ أن الاستكبار والطغيان مصيرهما الزوال. فمهما طال الزمن، تظل إرادة الشعوب القوة الحاسمة التي تطيح بالطغاة.
مواصلة النضال: الحرية آتية
على مدار ستة وسبعين عاماً من الاحتلال، منذ النكبة وحتى يومنا، ظل الشعب الفلسطيني يواجه آلة القمع الإسرائيلية بإرادة لا تلين. رغم الترسانة العسكرية المتفوقة، ورغم الدعم الأمريكي غير المحدود، ورغم كل محاولات القتل والترهيب وانتهاك حقوق الإنسان وتجاهل المواثيق الدولية، ظلت روح المقاومة متوهجة في نفوس أصحاب الحق الشرعيين. فمنطق الاستعلاء – الذي يظن أن القوة العسكرية ستجلب السلام – هو بالضبط ما سيقوض مستقبل هذا الكيان. كلما زاد القمع، ازدادت إرادة الشعب صلابة. فالتاريخ يثبت أن الشعوب المقهورة لا تموت، بل تولد من جديد في كل مرة. والقضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي، بل هي نضال إنساني عميق الجذور يستند إلى قيم العدالة والكرامة. والحرية – مهما طال انتظارها – آتية لا محالة.
